بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يعد تصريح الرئيس الامريكي باعادة إيران إلى العصر الحجري” ليس مجرد تهديد عسكري حرفي، بل هو رسالة متعددة الاغراض يمكن فهمها من عدة زوايا:
أولاً: البعد النفسي والسياسي
ان الرئيس ترامب يعتمد أسلوب “الصدمة” في الخطاب وتضخيم التهديد لرفع مستوى الردع.
يضاف الى ذلك مخاطبة الداخل الأمريكي لإظهار الحزم والقوة وأرسال رسالة للخصوم بأن أي تصعيد ستكون كلفته غير محتملة وهذا الأسلوب استخدمه سابقاً مع كوريا الشمالية، ثم انتهى بالتفاوض، لا بالحرب.
ثانياً: الضغط التفاوضي على إيران
التصريح غالباً جزء من رفع سقف التهديد قبل أي مفاوضات لإجبار إيران على تقديم تنازلات (نووي، نفوذ إقليمي، صواريخ) بمعنى أدق ان التهديد هنا أداة تفاوض أكثر من كونه خطة حرب فورية.
ثالثاً: رسالة للحلفاء (خصوصاً الخليج)
طمأنة دول الخليج العربي بأن واشنطن مستعدة للتدخل بإعادة بناء الثقة بعد فترات تردد أمريكي سابقة.
لكنه في نفس الوقت يحمل تناقضاً فالحلفاء يريدون حماية، لا حرب شاملة قد تدمر المنطقة.
رابعاً: الجانب العسكري الواقعي
إعادة دولة بحجم إيران “للعصر الحجري” تعني تدمير شامل للبنية التحتية (كهرباء، اتصالات، نفط).
ضربات جوية مكثفة طويلة الأمد ، لكن عملياً ان إيران ليست دولة سهلة (مساحة كبيرة ذات قدرات صاروخية) ولديها أدوات رد يتمثل بمضيق هرمزوحلفائها الإقليميون وان أي حرب ستكون مكلفة جداً للطرفين وللمنطقة.
خامساً: الرسالة غير المباشرة لإيران
ان تصريح ترامب يحمل معنى ضمني “إذا تجاوزتم الخطوط الحمراء فان الرد سيكون غير تقليدي وغير محدود” وهذا يدخل ضمن ما يسمى بـ سياسة الردع القصوى.
سادساً: هل هو تمهيد لحرب؟
ليس بالضرورة ان يكون التصريح تمهيداً لعمل كبير ، على سبيل المثال استخدامه لاسلحة نووية تكتيكية مثلما حصل في معركة مطار بغداد الدولي عام 2003 عندما تكبدت القوات الامريكية خسائر فادحة بالارواح ، حينها اضطرت امريكا لاستخدام الاسلحة النووية التكتيكية.
وهنا لدينا 3 سيناريوهات
- تصعيد كلامي فقط لاجل الضغط والتفاوض وهو الارجح
- ضربة محدودة باسلحة نوعية ذات قدرة تدميرية كبيرة ( قنابل كهرومغناطيسية ، نووية تكتيكية تستهدف منشآت محددة دون حرب شاملة
- حرب واسعة احتمال ضعيف لكنه ممكن إذا حصل خطأ كبير أو تصعيد غير محسوب.
الخلاصة العميقة:
تصريح ترامب ليس إعلان حرب، بل أداة ضغط نفسي وسياسي ورسالة ردع قصوى لإيران وكذلك ورقة تفاوض قوية لكنه أيضاً يعكس استعداداً لاستخدام القوة إذا فشلت كل الخيارات.
هل ستاخذ إيران هذا التهديد بجدية؟ أو ما هو السيناريو الأقرب فعلياً على الأرض خلال الفترة القادمة؟
سنبحر في التحليل بشكل اعمق لهذين السؤالين المهمين:
أولاً: هل إيران تأخذ التهديد بجدية؟
- نعم… ولكن بحذر وليس بخوف كون القيادة الإيرانية تنظر لترامب بطريقة مركبة وتعتبره غير تقليدي وقابل للمفاجأة لكنها ترى أيضاً أنه يفضل الصفقات على الحروب الطويلة لذلك لا تتجاهل التهديد ولا تتوقع حرباً شاملة فوراً
- كيف تترجم إيران هذا التهديد عملياً؟ ان إيران تتبع ما يمكن تسميته بالتصعيد المحسوب” مايعني
سوف ترد بشكل غير مباشر (عبر حلفاء) تتجنب ضربات مباشرة كبيرة ضد أمريكا بغية المحافظة
على هامش الإنكارالمعقول.
- العقلية الإيرانية في إدارة التهديد تراهن على 3 نقاط:
- أن أمريكا لا تريد حرباً طويلة في الشرق الأوسط
- أن إغلاق أو تهديد مضيق هرمز سيرفع كلفة الحرب عالمياً
- أن حلفاءها الإقليميين يمكنهم استنزاف الخصم لذلك هي تتعامل مع التهديد بجدية لكن بثقة نسبية في قدرتها على الردع المضاد
ثانياً: ما هو السيناريو الأقرب؟
السيناريو الأول: تصعيد مضبوط (الأكثر احتمالاً) ضربات محدودة أو عمليات غير مباشرة وحرب ظل (هجمات سيبرانية يتمثل باستهداف غير معلن) مع الاستمرار بالتهديد الإعلامي هذا السيناريو يخدم الطرفين بأن يظهر ترامب القوة من جهة وتتجنب إيران الحرب المدمرة من جهة اخرى
السيناريو الثاني: ضربة أمريكية محدودة تتمثل باستهداف منشآت نووية أو عسكرية يقابله رد إيراني محسوب (صواريخ أو عبر وكلاء) الا ان الخطورة تكمن اذا ماتوسعت الحرب وحصل خطأ في الحسابات
السيناريو الثالث: حرب شاملة (الأقل احتمالاً) يتمثل بخطأ كبير(مثل قتل عدد كبير من الجنود الأمريكيين) أو قرار سياسي استثنائي من واشنطن قد يجعل نتائجه تعطيل النفط العالمي وضرب دول الخليج العربي مايعني توسع الحرب إقليمياً
ثالثاً: العامل الحاسم (الأهم في التحليل)
ليس التهديد بحد ذاته ، بل هل هناك “خط أحمر” سيتم كسره؟ يتمثل باستهداف مباشر لقوات أمريكية بأعداد كبيرة وإغلاق فعلي لمضيق هرمز وتسريع نووي مفاجئ من إيران، هنا فقط قد يتحول التهديد إلى تنفيذ
الحسم النهائي فتأخذ إيران تهديد ترامب بجدية تكتيكية، لا استراتيجية كاملة
السيناريو الأقرب: يخلص الى تصعيد مضبوط يقابله ضغط تفاوضي ما يجعل الحرب الشاملة تبقى خياراً أخيراً وليس أولاً



























