بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تستذكر امتنا الاسلامية من كل عام وتحديداً في العاشر من شهر محرم ، واقعة الطف التي تعتبر من الحوادث المأساوية الاكثر جدلاً عبر التاريخ ، و نقطة مفصلية في التاريخ اﻹسلامي تمخضت عنها اثار سياسية ودينية وفكرية اسقطت العالم الاسلامي في براثن التفرقة ، بفعل اعداء الدين والاسلام ، الا انها اضحت رمزاً من رموز الاباء والفداء وعلامة مضيئة لعنوان التضحية الصادقة وثورة حقيقية للمظلوم على الظالم الذي توج بانتصار الدم على السيف.
من المفترض ، ان تكون حادثة كربلاء التي استشهد فيها سبط رسولنا الكريم سيدنا الحسين بن علي بن ابي طالب عليهما السلام درساً وعنواناً لكل من يتسيد رقاب المستضعفين الذين هم احفاد من يتباكون اليوم على مقتله ، الا اننا نرى العكس من ذلك فكل عام يتلو على العراقيين ومصائبهم في تجدد مستمر ، فعاشوراء العراق لا تنتهي مواجعها ، لان قتلة اهله معلومون لدى الجميع ، بشخوصهم وبعلاماتهم الفارقة التي يتميزون بها عن بقية الخلق ، ان ورثة قتلة الحسين مازالوا احياء فينا ، من حيث القتل والمكر والدجل الذي يمارسونه كل يوم، بل ان هؤلاء الورثة اشد قهرا وظلما وسفكا للدماء من ابائهم واجدادهم ، واذا كانت موقعة الطف شهدت مقتل سبط اشرف خلق الله ، فان أبناء واحفاد قاتليه ، جعلوا من ارض العراق كلها مواقع ” طف ” وكربلاء، ومن يعتقد أن سيدنا أبا عبدالله ، حكرا على طائفة أو ملة فهو جاهل ولايفقه من العلم شيئا ، إنما هو قدوة للذين يسيرون على نهجه وينهلون من خلقه.
من يتباكى على سيد شهداء أهل الجنة ، عليه ان يتقي الله في خلقه ولا يمد يده على اموال الشعب ولا يغتصب حقوقهم ولا يحرمهم من ابسط مقومات الحياة ، فمشكلة الكهرباء وانعدام الخدمات وتفشي ثقافة الفساد وانتشار المخدرات والرذيلة في بلد الأئمة الاطهار ومثوى الانبياء والاولياء وصمة عار بحق كل من يذرف دموع الأسى على ابن بنت رسولنا الكريم زوراً وبهتانا ، حتى بات هؤلاء الذين يدعون انهم حماة الدار يمزقون نسيج العراقيين المرصوص بانتماءاتهم واصطفافاتهم الطائفية التي توحدها صرخات المظلومين الصادقة المحبة للحسين وآل بيته الأطهار.
لم نشهد سنوات الحرب العالمية الثانية، ولكننا عندما نريد الاطلاع على أبطالها نعود إلى مذكراتهم الشخصية وما كتبوا عنها، أمثال ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني الذي قاد بلاده من الهزيمة إلى النصر. وكذلك الجنرال الفرنسي شارل ديغول الذي كتب مذكراته عن سنوات الحرب وما بعدها في 4 أجزاء هي: النفير، والوحدة، والخلاص، والأمل. وعندما نريد التعرف على السياسيين الذين انتشلوا بلدانهم من ركام التخلف والفقر إلى مصاف الدول المتقدمة وحققوا نجاحات باهرة في التنمية والعمران، بالتأكيد نقرأ مذكرات رئيس وزراء ماليزيا (1981-2003) الدكتور مهاتير محمد، والتي كان عنوانها “طبيب في رئاسة الوزراء”. وأيضا نقرأ مذكرات لي كوان يو، لنتعرف على “قصة سنغافورة” في التحول من العالم الثالث إلى العالم الأول.
ان الفكرة من استحضار هذه الأسماء ومذكراتها هي المقارنة مع مذكرات ساسة العراق بعد أكثر من عشرين عاما على تغيير النظام السياسي فيه. إذ لو افترضنا أن الأجيال اللاحقة تريد التعرف على ما حدث بعد 2003 وتطورات الأحداث السياسية، وكيف نفهم جدلية التحول نحو الديمقراطية التي أنتجت لنا فسادا وفوضى ودولة هشة؟ بالتأكيد هناك من يحاول البحث عن الإجابة في ما كتبه الساسة العراقيون في مذكراتهم أو كتبهم ومقالاتهم التي علاماتهم الفارقة فيها هي الوعود الكاذبة الممشوقة بغطاء الدين المزيف الذي كان نتاجه سرقة خزائن العراق وافقار ابناءه الاصلاء.
ولعل الاية الكريمة التي انزلها الله جل في علاه ، ينطبق تفسيرها على هؤلاء الذين اضاعوا البلد واحرقوا الارض والنسل …”وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ” صدق الله العظيم.

























