بقلم: د تميم الساعدي
ابتداء لابد من ان تتظافر الجهود لفضح التحالف بين السلطة الدينية والنظام السياسي بالعراق في استغلال الطقوس والشعائر ـ خصوصًا مايسمى زيارة الأربعين ـ لتكريس الجهل والخضوع وشرعنة الهيمنة. وهنا نشير إلى نقطة جوهرية تستحق أن تُوثَّق بدقة: أن ما يُروّج له على أنه “دين” أو “قربى إلى أهل البيت”، هو في حقيقته صناعة دينية سياسية مدروسة، هدفها تسخير البسطاء لا تحريرهم.
جذور الزيارة الأربعينية: مراجعة تاريخية
زيارة الأربعين كما تُقام اليوم ـ بمظاهرها الحاشدة والخدمات المجانية والطقوس الغريبة أحيانًا ـ لم تكن موجودة ؟! ….وان وجدت فلم تكن بهذا الشكل في أي مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي، لا في صدر التشيّع ولا في عصور الأئمة.
نعم، ورد في بعض الروايات أن الإمام الصادق قال: “زيارة الحسين يوم الأربعين من علامات المؤمن”، لكن تلك الرواية ضعيفة السند ومحل خلاف فقهي حتى عند علماء الشيعة الكبار. بل إن كبار فقهاء النجف في القرن الماضي لم يكونوا يعيرون هذه الزيارة اهتمامًا شعبيًا أو سياسيًا، وكانت تتم بهدوء، دون زحف أو ضجيج، ولا تحوّلت إلى موسم شعبي إلا بعد عام 2003.
بل أكثر من ذلك: لا توجد أي رواية موثقة تشير إلى أن السيدة زينب أو أهل البيت عادوا إلى كربلاء في يوم الأربعين، كما تُصور الروايات الشعبية الآن.
كيف تحوّلت إلى ظاهرة جماهيرية بعد 2003؟
بعد الاحتلال الأمريكي، وانهيار النظام السابق، برزت الحاجة لدى الأحزاب الدينية والمرجعيات الحزبية إلى تثبيت الشرعية الشعبية عبر الرموز الطائفية، فتُرِك المجال مفتوحًا لتضخيم زيارة الأربعين:
•الحكومة تسهّل التنظيم.
•المرجعيات تشجع التمويل وتُصدر الفتاوى.
•الإعلام الطائفي ـ المدعوم من إيران ـ يروّج لها عالميًا.
•تُستخدم كتعبير عن “القوة الناعمة الشيعية”.
والأخطر أن معممين من نوعية جلال الدين الصغير، وهادي العامري، وقيادات الحشد صاروا يربطون بين “زيارة الأربعين” والانتصار السياسي والعسكري، وكأنها بديل عن التخطيط والتنمية، أو كأنها معجزة إلهية ترعب الخصوم.
صناعة “البدعة المقدسة”
البدعة الأخطر ليست في أصل الزيارة، بل في الطريقة التي تُقدّم بها للبسطاء:
•أنها “أعظم من الحج”.
•أنها “سبب غفران الذنوب ولو بلغت عنان السماء”.
•أنها “تمهّد للظهور المقدّس”.
•أن “كل من يخدم الزوار سيدخل الجنة بلا حساب”.
وهذه كلها لا أصل لها في النصوص الصحيحة، بل اختُرعت وسُوّقت لخلق طاعة مطلقة بين الزائر والبسطاء من جهة، وبين المرجعية والنظام من جهة أخرى.
من المستفيد من تضخيم الزيارة؟
-المؤسسة الدينية:
تحصل على شرعية شعبية، وتُظهر نفسها كقائدة لجماهير لا تُحصى.
-الأحزاب الموالية لإيران:
تستخدم المناسبة لبث رسائل القوة والتجنيد السياسي، وجعل المناسبة “شيعية ـ إيرانية” بامتياز.
–الاقتصاد الطفيلي:
أموال طائلة تُصرف باسم المواكب، والتموين، والهبات، وغالبًا دون رقابة. وتحولت إلى سوق دينية سنوية تُدر ملايين الدولارات.
-استغلال الجهل:
كلما ازداد الجهل، ازداد الانقياد، وكلما خضعت الفئات الفقيرة، سَهُل توجيهها سياسيًا وأمنيًا.
-زيارة الأربعين اليوم ليست شعيرة دينية فحسب، بل هي أداة سيطرة اجتماعية، واقتصادية، وسياسية على الطبقات المهمشة، وتُستخدم الفتوى والقداسة وسرديات آل البيت، لتبرير خضوع لا علاقة له بالإيمان الحقيقي، بل هو منتج سلطوي مدروس.





























