بقلم: الدكتور هاشم الحمامي
مع اقتراب موعد الانتخابات العراقية المقررة في تشرين الثاني المقبل، تتزايد تعقيدات المشهد السياسي، حيث يجد رئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يوازن بين النفوذ الأمريكي الطاغي والتأثير الإيراني العميق في العراق؟ ورغم أنه جاء إلى السلطة كمرشح للإطار التنسيقي الشيعي الموالي لطهران، إلا أن طموحه بالبقاء في الحكم يدفعه إلى تبني سياسة أكثر براغماتية، محاولاً اللعب على التناقضات الإقليمية والدولية لتحقيق أهدافه.
المعادلة الصعبة: بين واشنطن وطهران
السوداني، الذي يُعتبر جزءًا من الإطار الشيعي الحاكم، يدرك أن استمراره في السلطة يتطلب إرضاء طرفين متناقضين: الولايات المتحدة، التي تراهن على طموحه في الحكم لممارسة ضغوط على الميليشيات الموالية لإيران، وإيران، التي ترى في الحكومة العراقية الحالية امتداداً لنفوذها الإقليمي. وبين هذا وذاك، يسير السوداني على حبل مشدود، محاولاً تجنب أي خطوة قد تستفز أحد الطرفين وتدفعه إلى فقدان الدعم.
وفي هذا السياق، تشير بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة أعطت السوداني مهلة غير معلنة لضبط الفصائل المسلحة الموالية لإيران ومنعها من استهداف المصالح الأمريكية في العراق، مقابل منحه دعماً سياسياً لتمكينه من الفوز بولاية ثانية. في المقابل، هناك ضغوط من طهران على الفصائل المسلحة لإبقاء العراق في دائرة النفوذ الإيراني، مما يضع السوداني أمام تحدٍّ خطير.
سياسة التوازن والمناورة
يحاول السوداني، عبر سياسة محسوبة، تقديم الضمانات للأمريكيين بأنه قادر على ضبط الميليشيات المسلحة، مقابل دعمه في الانتخابات القادمة. في الوقت نفسه، يسعى إلى طمأنة طهران بأنه لن يكون عقبة أمام نفوذها المتغلغل في العراق، متجنباً أي مواجهة مباشرة مع الفصائل المسلحة الموالية لها.
لكن مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز تساؤلات حول مدى قدرة السوداني على الحفاظ على هذا التوازن الهش. فالعراق قد يتحول إلى ساحة صراع مباشر بين الطرفين، ما قد يدفع بالمشهد السياسي إلى مزيد من التعقيد. وإذا اندلعت مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران، هل سيتمكن السوداني من الحفاظ على موقعه، أم أن هذه الحرب قد تعصف بالنظام السياسي العراقي بأكمله، وتؤدي إلى نهاية نفوذ الإطار الشيعي في الحكم؟
المواقف الداخلية وتأثيرها على مستقبل السوداني
داخلياً، لا يحظى السوداني بإجماع سياسي كامل، فبينما يجد دعماً نسبياً من بعض الأطراف الشيعية، هناك حالة من الترقب لدى الأحزاب السنية والكردية التي تفضل استمرار الاستقرار ولكنها لا تريد أن يكون العراق تابعاً لطرف إقليمي دون الآخر. كما أن المرجعية الدينية في النجف لم تصدر موقفاً واضحاً بشأن دعمه لولاية ثانية، مما قد يعكس تحفظات معينة على أدائه.
الرهانات والمخاطر
الأحزاب والميليشيات الموالية لإيران تواجه معضلة حقيقية: هل تواصل دعم السوداني على أمل الحفاظ على قنوات الاتصال مع واشنطن، أم تسعى إلى استبداله بشخصية أكثر ولاءً لإيران؟ الخيار الأول قد يمنح السوداني فرصة لتعزيز نفوذه وتقليص دور هذه الفصائل تدريجياً، بينما الخيار الثاني قد يؤدي إلى تصعيد خطير مع الولايات المتحدة، ما قد ينعكس سلباً على نفوذ طهران في العراق.
في المقابل، تدرك واشنطن أن أي تحرك غير محسوب ضد هذه الفصائل قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في العراق، خاصة إذا قررت إيران استخدام نفوذها للرد على الضغوط الأمريكية. وهنا يبرز التساؤل: هل يمكن للسوداني أن يستمر في استثمار هذه التناقضات لصالحه، أم أن اللعبة السياسية ستنقلب ضده؟
مستقبل العراق على المحك
في ظل هذه التعقيدات، يبقى مستقبل العراق مرهونًا بحجم التصعيد بين إيران والولايات المتحدة. فهل يتمكن السوداني من الاستمرار في المناورة وكسب الوقت لضمان بقائه في السلطة؟ أم أن التطورات الإقليمية والدولية ستفرض عليه خيارات لم يكن مستعداً لها؟
يبقى السؤال الأهم: إذا خرجت الأمور عن السيطرة، هل يكون السوداني هو الضحية الأولى لهذا الصراع؟ وهل تتسبب المواجهة المحتملة بين إيران وأمريكا في اقتلاع النظام السياسي العراقي بأكمله، مما يضع نهاية لطموحات السوداني وسيطرة الإطار الشيعي على الحكم؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذه التساؤلات، لكنها بلا شك ستكون حاسمة في تحديد مسار العراق السياسي ومستقبل السلطة فيه.



























