بقلم: موفق الخطاب
تحت المجهر
في عصر التقنية والمعلومات عزف الكثير من القراء عن التهافت على إقتناء الجريدة الورقية، ولا تشده إلا تلك التي تخرج عن المألوف في عرض الأخبار التقليدية في طرحها لموضوع ساخن تستخدم فيه الإثارة أو تتناول خبر خارجي أو داخلي تتعمد الدولة التعتيم عليه فيغامر الكاتب بالبحث والتقصي عنه ثم المجازفة بنشره، أو المخاطرة في كشف أسرار أو تعرية وفضح جهة متنفذة أو ملاحقة حالة فساد و مفسد .
ورغم أن كل تلك الموضوعات محفوفة بالمخاطر وربما يكون ضررها على الصحيفة وعلى الصحافي والكاتب أكبر من نفعها، وقد تجلب لهما الصداع والمتاعب ، لكن من يقرر ركوب البحر يتحمل هيجانه وتلاطم أمواجه.
ولكون أن أي كاتب وصحافي يطمح بأن يصل صرير قلمه لكل أذن واعية ويمتد فكره إلى أكبر شريحة من القراء، كان لزاماً عليه أن يحاكي تلك الطبقة العريضة من «شريحة الشباب»، وبكل الوسائل التي تستهويهم وتستقطبهم، فتحول الكثير منهم إلى التحليق في عالم الفضاء بعيداً عن البيروقراطية والروتين القاتل في تلقي ونشر الخبر عبر الصحف اليومية ومقص التحرير، بعد إنشاء الحسابات المتعددة على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل «فيس بوك» و»واتس اب» و»انستغرام» وسناب جات ويتقدمهم صاحب المشاكل »التويتر» وبنته المدللة التغريدة في الحقل السياسي.. لسرعة ملاحقة الخبر وفرز الغث عن السمين.
وقد استطاعت تلك التقنية والبرامجيات والفضائيات أن تسحر وتجند الملايين، لتلتقط وتبث العاجل من الأحداث حين وقوعها وتشبع الخبر استنباطاً وتحليلاً ولم يعد أحد إلا ما ندر من ينتظر شروق الشمس ليتصفح الجرائد الورقية، فهي غدت كعادة قديمة مستديمة في تصفحها مع شرب فنجان القهوة صباحاً لأولئك الذين فاتهم قطار التقنية.
ولم يعد للخبر أية قيمة عند نشره في مطلع صفحات الجرائد، وقد يأتي وقت ولا أظنه بعيداً ستتربع فيه الصحف الإلكترونية والتويتر وغيرها من البرامجيات على أدوات الإعلام البالية وستضيق معها المساحة الورقية وستضمحل، وستعلن الكثير من الصحف إفلاسها وتسريح موظفيها وغلق مطابعها.
لكن إن كان للصحف الورقية نقابة وجمعية و رقيب ومقص وهو يعمل بوجهين وجه لصالح الحكومات لتجنب سخطها و وجه آخر لصالح الكاتب لحمايته، لكن بالمقابل فإن تلك الوسائل الحديثة يتم متابعتها من قبل كل الجهات الأمنية والدولية في الداخل والخارج، ولا يوجد فيها جرس إنذار ولا رقيب يحذرك من عواقبها، ولا تستبعد أن يتم إيقافك يوماً ما في أحد المنافذ الحدودية أو المطارات أو نقاط التفتيش على إثر تغريدة كنت قد كتبتها أو مشاركة وت عليق قد أبرقته في حالة غضب أو انفعال و نسيته ،لكن الجهات الرقابية قد ضمتها لك لتعكر عليك صفو حياتك، هذا إن استطعت أن تنفد بجلدك، أما إن أُسيء فهم تغريدتك وغلفت بدعوى كيدية بمساسك للشؤون السياسية وحيتان الفساد ، فما أسهل أن تكتمل أوراق استدعائك وتساق مكبلاً إلى المحاكم وإجراءاتها السلحفاتية، وبعد أن يقتنع القاضي ببراءتك وفك طلاسم تغريداتك يكون الأمن قد سلخ جلدك والشارع قد نهش لحمك .
أما عن سيل النقد اللاذع والتهديد والوعيد من أصحاب الحسابات الوهمية أن تطرقت لموضوع شائك كالتطرف الديني والفساد الحزبي والحكومي وبطانة الحكام أو الإرهاب، وأدليت بدلوك فهذا منزلق ومطب آخر خطير، وقد يصل الأمر إن كشفت ضلالة فكرهم وضحالة نهجهم أن يتم إختراق جميع حساباتك ليعطلها الهكر ويصلك التهديد والوعيد ربما لعقر دارك وتلاحقك الكوابيس في منامك وتجعلك شارداً حتى في تبتلك وصلاتك!
هكذا أصبح اليوم عالم الفضاء مفتوحاً والسماء ملبدة بالغيوم ولا تعلم هل تحمل لك صيباً نافعاً أم إعصاراً قالعاً!!
فأصبح الكاتب وصاحب العمود المقروء اليوم في مفترق طريق، فإن بقي في نهجه العتيق وسط هذا الكم المتدفق فسوف لن يطَّلع على مقاله إلا النزر اليسير من مقرب أو صديق، وسيمحى من الذاكرة ولن يتبقى له من إرثه الصحافي سوى هوية نقابة أو جمعية الصحفيين وإرشيف مقالاته وتحقيقاته ليتغنى بها على الأطلال!!ا
خلاصة القول أنه بات فرض عين على كل من يعمل في المجال الصحافي والإعلامي إن يتقن التعامل مع هذه التقنية ويحذر من عواقبها الكارثية..



























