بقلم: محمود خالد المسافر
أن الذي دفعني الى الكتابة في هذا الموضوع هو دعوة بعض الكتاب والمثقفين للمبدعين والمشاهير من أمثال الفنان كاظم الساهر الى المشاركة في افتتاحية بطولة “خليجي 25” التي ستنعقد في البصرة قريبا. وفكرت كثيرا في الأمر وعدت إلى كل الاحداث منذ الاحتلال الأميركي للعراق إلى اليوم وحاولت أن اراجع وبسرعة اراء بعض المثقفين والكتاب الذين يريدوا أن يكونوا دائما في الوسط بين العملاء وسلطتهم وأموالهم السحت الحرام واجرامهم وعمالتهم وامتيازاتهم من جهة، وبين الشعب المقهور والمظلوم والفقير والمعدوم والمحروم من جهة أخرى. وراجعت في ذهني عشرات اللقاءات لعشرات المحللين السياسيين والعسكريين والاقتصاديين والتربويين والقانونيين والرياضيين وغيرهم من الذين ليست لديهم هوية واضحة، واستوقفتني محاولاتهم ليعبروا بوضوح عن انتمائهم للطبقة الرمادية من المجتمع. إذ ان أغلب هؤلاء يحاولون أن يكونوا محللين جيدين وليس محللين وطنيين. لانه ليس مهما عندهم أن يتحدثوا عن المبادئ أو أن يروا الأحداث ويحللوها على أساس المعايير المبدئية. بل انهم يتحدثون على نحو سردي للوقائع والأحداث. ويمكن أن تتعرف وتميز اي منهم عندما ينهي حديثه بتوقع وكأنه عرّافة، ولا يهمه أن يُسجل له موقف على الخونة والعملاء والفاسدين والمجرمين، وبالمقابل يريد أن يُسجل له موقف بتوقع صحيح او استنتاج قريب للدقة. حتى أننا أصبحنا أمام حالة بائسة لقنوات فضائية كثيرة مليئة بالمحللين من غير أصحاب المبادئ ولا القيم العليا أو الأهداف النبيلة. والأخطر أن المجتمع او البعض المثقف منه دأب على تسميتهم بالمهنيين. عجبي!! وكأن المهنية تعني أن تكون وسطيا أو محايدا بين الحق والباطل، بين الخطأ والصحيح، أو بين الحلال والحرام.
نعود إلى بطولة خليجي 25، التي يراها بعض مثقفي الطبقة الرمادية فرصة للعراق لكي يعود إلى دوره العربي والإقليمي والدولي مشبهين ذلك بدور قطر وكأس العالم وهذا موضوع اخر لا يمكن تناوله في هذه المساحة الصغيرة. ولكنها بالتأكيد مقارنة خاطئة لا تشير الى اي نوع من أنواع التشابه أو التماثل بين التجربتين في بطولة كأس العالم وبطولة “خليجي 25”.
وقد شن الكثير من اولئك المثقفين من الطبقة الرمادية هجوما على الفنان كاظم الساهر وغيره من الفنانين الذين رفضوا ان يشاركوا في “خليجي 25″، وانا هنا لست هنا بمعرض الدفاع عن موقف الساهر لأنني لا اعرف اسبابه، ولكن اقول إذا كان موقفه انحيازا وطنيا ورفضا للعملاء والفاسدين، ووقوفا بوجه محاولاتهم الفاسدة لتحسين صورتهم السوداء المعتمة فإنني احييه.
وقال بعضهم أننا لا نسمح بتقزيم العراق بحجة عدم الوقوف إلى جانب السلطة، وهو لا يعلم أن تقزيم السلطة الطائفية الفاسدة ليس تقزيما للعراق. أن العراق اليوم لا يحكمه ابناؤه الاصلاء حتى نطالب الجميع أن يقفوا مع “خليجي 25”. كل محاولة لتضييع الحقوق مرفوضة، فلدينا عشرات الآلاف من المغيبين وعشرات آلاف القتلى المدفونين غدرا ولا نعرف عنهم شيئا، ولدينا مئات الآلاف من المهجرين والمئات من القرى والمدن المهدمة، ولدينا مئات المليارات المسروقة ونعرف من سرقها وهو طليق، بل ان الفاسدين والسارقين هم من يحكموا البلد، ولدينا دستور مسخ وضعه الغرباء وزرعوا فيه عشرات القنابل الموقوتة التي تتفجر علينا كل يوم، ولدينا كانتونات تقودها مافيات سيحضر رؤساؤها بطولة كاس “خليجي 25” ليتم تكريمهم وتقديمهم على أنهم قادة الوطن. وسيتم في خليجي25 تدشين اسوأ جزيرة من المنتجات المبهرجة، أبنية وملاعب بناها الفاسدون ليتم فيها تنفيذ “خليجي 25” وسط بحور من الدماء والمياه الآسنة والتخلف والجهل.
أن الطبقة الرمادية تطلب من النجوم والفنانين والمشاهير من العراقيين، الذين هم ايضا من بين من يعاني من تفاهة حكام الزور، أن يكونوا هم ايضا شهود زور لمحمد شياع وأسعد العيداني وجواد المالكي وعمار الحكيم والحلبوسي وقيس الخزعلي وغيرهم من تماسيح الفساد والحرام والباطل. قبحا قبحا لكل من يقبل ان يكون شاهد زور. وسيكتب التاريخ عن اولئك المهادنين الذين يريدون أن يضعوا غطاءً فوق من يغتصب الفتيات والأحداث في سجون الخسة الإيرانية في العراق من أجل أن يحسنوا الصورة القبيحة لحزب الدعوة. اولئك الذين يريدون أن يضعوا حائطا يفصل بين سمعة العراق الخارجية وبين مئات الالاف من الشباب الذين سقطوا في وحل المخدرات، ومئات الشباب الذين سقطوا ضحية حبهم للحرية في انتفاضة تشرين البطلة. ماذا تريدون من “خليجي 25″؟ هل تريدوا أن تاتوا بالمتخمين بالمال إلى البصرة في الوقت الذي وصل فيه الفقر إلى اسوأ أحواله حتى تختبروا عفة العراقيين العراقيات؟. هل تريدوا أن يأتي بعض ناقصي القيم والاخلاق الذين يجوبون العالم من أجل خطيئة جديدة، وتقولون لهم اطمئنوا ولا تقلقوا فلا شرطة نزيهة لدينا، فكلهم مرتشون، وكل سياسيينا سماسرة، وكل منهم يسمسر في ما يعرف، ولن تجدوا من ياتبعكم ويمنعكم ولكن ستجدون من يشارككم كل خطيئاتكم. هل تعلمون لماذا؟ لأن كل سياسيي الخط الاول في مزبلة الخضراء لا يعرفون معنى الشرف ولم يطلعوا عليه في أدبيات أحزابهم العميلة. أن محاولة سياسيي الدستور المزور تزويق السلطة الفاسدة وتثبيت نتائج الانتخابات الفاشلة لن تنجح مهما طبل لهم مثقفوا وكتاب الطبقة الرمادية.
لن اختبر عواطف الناس الذين يريدون الوقوف إلى جانب منتخبهم الذي سيلعب في البطولة الخليجية، ولا اريد أن احبطهم وهم يبحثون عن اي سبب لكي يفرحوا وسط تراكم الاحزان والمٱسي. ولكنني رغم ذلك أؤكد لكم، وبعد عقدين من الضياع والفساد والجريمة، أن الشجرة الفاسدة لا يمكن تنتج ثمرا ابدا.
طوبى لكل ثابت أبيْ رفض ان يكون شاهد زور في اقسى وقت يمر به العراق والمنطقة. أنها الجمرة التي لا تريد أن تفارق قبضتنا



























