تحليل: د. خالد شنيكات
بعد مرور أكثر من أسبوع على انتخابات البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، ما تزال الأزمة السياسية في إسرائيل تراوح مكانها، مع بقائها مفتوحة على كل الاحتمالات، في ظل تعدد جوانبها القانونية والدستورية، ما يشي بأن الحل سيظل غائبا إلى اشعار آخر، أو الى حين تتفرغ الاطراف الفاعلة في المشهد الإسرائيلي، للتفكير في عمق الازمة وكيفية الخروج منها من خلال القانون والدستور.
ويرى مراقبون في حديثهم لـ “الغد”، ان تجليات الأزمة السياسية في إسرائيل تمتد من حالة العجز عن تشكيل الحكومة الى تعدد الانتخابات البرلمانية والتي اجريت ثلاث مرات في أقل من عام، لافتين الى أن المؤشرات بين موازين القوى والمعسكرات المتنافسة لا تنبئ بمخرج وشيك ينهي هذه الأزمة.
المحلل السياسي الدكتور زيد النوايسة، يقول، مما لا شك فيه أن “الأزمة السياسية في إسرائيل تراوح مكانها وهي مفتوحة على كل الاحتمالات، لكن ذلك لا يعني الذهاب لانتخابات رابعة باستثناء نتنياهو إذا فشل في تشكيل الحكومة”.
ويضيف، بالرغم من أن الجولة الانتخابية الثالثة لم تحسم الأزمة السياسية الإسرائيلية إلا أنها “أحدثت فرقا لصالح الليكود والأحزاب اليمينية المتحالفة معه مقابل تراجع حزب أزرق أبيض (كاحول لافان)”، موضحا أن المؤشرات هذه المرة تزداد لصالح خروج نتنياهو من المسرح السياسي نهائيا بالرغم من إصراره حتى اللحظة الأخيرة على تشكيل ائتلاف يمكنه من تشكيل الحكومة، ومحاولاته خلق شرخ في حزب أزرق أبيض أو استقطاب أعضاء من ائتلاف العمل (العمل وميرتس وجيشر)، وتركيز هجومه على غانتس بأنه يسعى لتشكيل حكومة مع القائمة المشتركة التي حققت تقدما هذه المرة”.
الثابت في رأي النوايسة، أن هناك “توافقا بين أطراف متناقضة سياسيا في المشهد الإسرائيلي على رحيل نتنياهو، وهو ما يعمل عليه حزب أزرق أبيض وحلفاؤه ائتلاف العمل وزعيم حزب (إسرائيل بيتنا) افيغدور ليبرمان.
ويضيف، هناك اختلاف في التفاصيل بينهم لكنهم مجمعون على أن “الحياة السياسية في إسرائيل لم تعد قادرة على تحمل بقاء نتنياهو في الحكم، لذلك تبدو الأزمة شديدة التعقيد بعد استبعاد قيام حكومة مشتركة بين الليكود وأزرق أبيض، وتزداد فرص الذهاب لتشكيل حكومة أقلية ضعيفة تجنبا لخيار الانتخابات للمرة الرابعة خاصة وان الهلع يصيب المجتمع الإسرائيلي نتيجة انتشار فيروس الكورونا”.
وأشار النوايسة إلى أن السيناريو المطروح وربما يكون الفرصة الأخيرة، هو “تشكيل حكومة اقلية برئاسة غانتس متحالفة مع ليبرمان (إسرائيل بيتنا) وائتلاف العمل (العمل ميرتس جيشر)، فيما يوظف نتنياهو كل شيء بما في ذلك أزمة فيروس الكورونا لضمان بقائه في الحكم في وقت يستعد في السابع عشر من هذا الشهر لمحاكمة تنتظره لذلك فالأزمة قابلة للاستمرار”.
من جهته يقول المحلل السياسي الدكتور خالد الشنيكات، رغم إعادة الانتخابات الإسرائيلية للمرة الثالثة في اقل من سنة ولأول مرة في التاريخ الإسرائيلي، إلا أنه “لم يحدث انفراج في مسألة تشكيل الحكومة، فنتنياهو لم يحقق انتصارا، إذ لم يحصل هو وكتلته على أكثر من 58 مقعدا، رغم أنه زاد عدد مقاعد حزب الليكود الى 36 مقعدا، وهو إنجاز، لكنه ليس انتصارا، في حين بقي حزب أزرق أبيض بزعامة غانتس على وضعه بحصوله على 33 مقعدا، فيما حققت القائمة العربية ولأول مرة 15 مقعدا، لتصبح القوة الثالثة في الكنيست الإسرائيلي، وبلغ مجموع النواب العرب 17 نائبا”.
ويضيف، هذه النتائج تعني أن “لا اليمين وحده قادر على تشكيل حكومة بزعامة نتنياهو، ولا الوسط بزعامة غانتس قادر على ذلك”، وبالتالي، فاننا أمام عدة سيناريوهات محتملة الأول: أن يسعى نتنياهو بكتلته اليمينية المقدرة بـ 58 مقعدا للتحالف مع ليبرمان والذي لديه 7 مقاعد.
فيما يتمثل السيناريو الثاني بأن يسعى غانتس للتحالف مع اليسار والقائمة العربية، بالإضافة لحزب إسرائيل بيتنا لتشكيل حكومة، وهذا التحالف “ليس من السهل تشكيله نظرا للاختلافات الكبيرة بين مكونات التحالف نفسه فيما يتعلق بالموقف من الاستيطان اليهودي والقدس وحقوق المواطنين العرب في اسرائيل، بالإضافة إلى أن ليبرمان نفسه يعد نفسه من اعتى قوى اليمين ويتبنى مواقف متطرفة تجاه عرب 1948 ويتشابه مع مواقف نتنياهو”.
اما السيناريو الثالث بحسب الشنيكات، فيتمثل بأن يتحالف حزب غانتس والليكود لتشكيل حكومة وحدة وطنية للخروج من الوضع الراهن، وهذا السيناريو أفرزته الانتخابات الإسرائيلية السابقة أكثر من مرة، ولكن كلا من غانتس ونتنياهو لم يقبلا به.
اما السيناريو الأخير، فيكون بالذهاب لانتخابات جديدة، ولكن هذه المرة “سيكون نتنياهو أمام المحكمة اعتبارا من 17 آذار (مارس) الحالي، ومع ما يترتب على ذلك من كشف المحكمة عن وثائق تدين نتنياهو، وما ينجم عن ذلك من تأثير على الناخب الإسرائيلي، وهو ما يدرك نتنياهو خطورته ولذلك طالب بتأجيل المحاكمة، لكن طلبه قوبل بالرفض، ومن المحتمل ان تستمر المحاكمة وقتا”.
ويشير الشنيكات الى أن “الذهاب لانتخابات جديدة أمر ليس سهلا ومع ذلك فقد يحدث”.
ويضيف، “في محاولة من حزب أزرق أبيض بزعامة غانتس، وإسرائيل بيتنا بالإضافة لقائمة غيشر ميرتس، والقائمة العربية لتلافي مثل هذا السيناريو، اتفقوا على طرح مشروع قانون يمنع رئيس الدولة من تكليف شخص عليه تهم تتعلق بالفساد وسوء استخدام للسلطة من تشكيل الحكومة، لكن هذا المشروع ما يزال بحاجة لمعرفة المزيد من التفاصيل عنه، وما إذا كان سيطبق على نتنياهو الآن ام اعتبارا من الانتخابات القادمة”.
ويرى الشنيكات أن إسرائيل “تمر بأزمة سياسية غير مسبوقة في تاريخها تتبدى بحالة الاستقطاب الكبير بين الأحزاب الإسرائيلية، ولكن من الصعب القول إنها دخلت في نفق مسدود”.
من جهته، يرى الخبير القانوني الدكتور رياض الصرايرة، ان الازمة السياسية التي تمر بها إسرائيل، تكاد تكون غير مسبوقة في الحياة السياسية الإسرائيلية في ظل عجز معسكر حزب الليكود وحلفائه وكذلك عجز معسكر يسار الوسط وحلفائه عن تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد ثلاث جولات انتخابية للكنيست، إضافة الى معادلة الضعف التي تعاني منها كل التيارات السياسية والتي أفضت إلى عدم قدرة أي منها على تشكيل الحكومة.
لكن من ناحية اخرى، يرى الصرايرة ان الازمة السياسية التي تعيشها إسرائيل حاليا هي “أزمة دستورية وقانونية وسياسية في آن واحد، فمن الناحية الدستورية تعني الازمة الحالية ان الدستور أو قوانين الاساس المعمول بها في إسرائيل كبديل للدستور المكتوب، ليست قادرة على حل الاشكالية السياسية القائمة في المشهد الإسرائيلي، ويعود ذلك الى ان هذه الأزمة خرجت عن اطار القوانين الدستورية ولم يتوقع أحد حدوثها على هذا النحو”.



























