بقلم: د.عادل الاشرم بن عمار
منذ العام 2003م وإلى اليوم يعيش العراق ظرف إستثنائي خطير، يهدد وجوده، وينذر بحدوث مرحلة تغيير شامله في تركيبته الدينية والعرقية، ويترك المجال مفتوحا أمام تداعيات تدميرية لاتقف عند حدوده، وخصوصا مع سعي أطراف خارجية معادية لجعله
قاعدة إنطلاق توسعي نحو البلدان المجاورة، وهذا يتم من خلال خلق بيئة حاضنة لتلك الأطراف التي تعمل الآن في العراق على تغيير ديموغرافي ومذهبي لصالحها، وبما يضمن بقاءها لفترة طويلة، من خلال الأدوات المحلية الفاعلة التي تسير في فلكها، وتحضى بدعمها المباشر.إن الطريقة والأسلوب التي أدار بها الأحتلال الأمريكي العراق في مراحل ما
بعد الغزو، خدمت الأجندة الإيرانية أكثر من غيرها، فسهلت لتلك الأطراف أن تحصل على نفوذ مباشر لها في العراق.
إن الغزو الأمريكي للعراق لم يأتي بستراتيجية تعامل محكمة ومدروسة، تأخذ بعين الأعتبار مرحلة ما بعد إسقاط النظام السابق، فقد كان ينقصهم الكثير من الخبرة، والفهم المعمق المتعلق بالوضع العراقي بكافة أبعاده الأمنية والاجتماعية والدينية والفكرية، وعولوا على أحزاب وحركات ومنظمات معارضة، قد تم تأسيسها من قبل الأطراف الخارجية التي أشرنا لها أعلاه، ولكن وجد الأمريكان أنفسهم بعد أن حزموا أمرهم على إحتلال العراق، أنهم مضطرون للتعامل مع هؤلاء، لتعذر وجود البديل الداعم لهم أنذاك، مقنعين أنفسهم أن بإستطاعتهم تغيير ولاء هؤلاء لصالحهم مستقبلا. ولكن تجري الرياح بما لاتشتهي السفن، حيث سرعان ما وجدت أمريكا نفسها أنها تفقد السيطرة على هؤلاء شيئا فشيئا لصالح إيران، وخاصة بعد سيطرت الأحزاب الدينية
الشيعية الموالية لإيران على مقاليد السلطة في العراق، وسيطرتها المباشرة على مفاصل النظام السياسي الجديد بتدخل مباشر من قبل إيران.
ومع وجود منافسة وإتفاق بين واشنطن وطهران تجاه شكل الهيمنة على النظام السياسي العراقي الجديد، فإن هذا كان يجري في طرف المعادلة الأول، بينما كان الطرف الثاني للمعادلة يتمثل بأن البلد تحول إلى نواة عدم إستقرار داخلية، ومن ثم خارجية
مع الوقت، تجاوزت حدود العراق.
نعم إن النظام السياسي الذي تم تأسيسه في العراق هيمنت عليه الأحزاب المدعومة من إيران بشكل مباشر، والمرتبطة بأمريكا بتوافقات مصلحية متبادلة، ومن خلال ما أسست له تلك الأحزاب من طريقة وأسلوب في إدارته، فإنها ضمنت لنفسها بقاءا غير محدود بوقت في السلطة، لايسمح بحدوث تغيير حقيقي في بنيتها للصالح الوطني، وخصوصا في ظل هذا الدعم والتوافق الإيراني الأمريكي.
حاولت الولايات المتحدة الأمريكية الإستفادة من هذا النظام مصلحيا، من خلال ربطه بها بوجود دائم، وبشكل شبه مباشر، بينما
سعت إيران إلى ترسيخ نفوذها من خلال هيمنة مباشرة شاملة على كل مفاصل البلد، لخلق الجو المناسب للوصول إلى حالة التفوق على الوجود الأمريكي، بشكل يجعل الولايات المتحدة تعترف مستقبلا بسياسة الأمر الواقع، ويجبرها على أن تتعامل وفق الرؤية الإيرانية بكل المجالات السياسية والأمنية والإقتصادية والإجتماعية والفكرية، وحتى الدينية.
كانت إيران ولازالت تستفاد من كل التداعيات والأحداث التي تحصل في المسألة العراقية طوال مراحل ما بعد إسقاط النظام السابق، وسعت جاهدة إلى تكريس وجودها بما يتيح لها أن تعمل بصورة علنية مباشرة، فبعد أن كانت تعمل من خلال أجندة وأدوات تحت مسميات وعناوين محلية في أول أيام الغزو الأمريكي، صارت تعمل بأجنحتها العسكرية النظامية وغير النظامية، وأرسلت كبار قادتها للعمل في العراق، لقيادة الفصائل المواليه لها هناك، إلى جانب قيادة عناصر الحرس الثوري وفيلق القدس والباسيج والمليشيات الرديفة لتلك القوات، وخصوصا بعد أن جاءت صفحة الإرهاب الأخيرة، لتكون
الحجة والذريعة الجاهزة لتشريع عملها.
واليوم، وبعد أن بات المشهد العراقي مكشوف ومفتوح على مصراعيه، سواءا ماتعلق منه بشكل النظام الحاكم فيه، والذي يعمل بأجندة خارجية واضحة ومعلنة، أو ماتعلق منه بنوع الهيمنة الخارجية المسيطرة على كل مفاصله، فقد أصبح الوضع ينذر بتحولا كارثيا كبيرا، يشهد ولادة ظاهرة عدم إستقرار دائم، هذه الظاهرة بدأت الآن تكيف نفسها مع التداعيات والأحداث، وتجد بلورة لتكوينها من خلال الأسباب التي أدت إلى ولادتها داخل العمق الرافض للوجود الإيراني، والساعي لخلق حالة توازن تعيد رسم
الخارطة العراقية من جديد.
إن الأسباب الأولى التي أوجدها النظام السياسي الجديد في العراق، وبدعم من مؤيديه، كانت هي العامل الأبرز في ولادة تلك الظاهرة، ومن ثم حدوث كل التأثيرات والتداعيات الخطيرة التي عصفت بالبلاد، ولازالت تلقي بظلالها على المنطقة والعالم،
ولم تنجح الحكومات العراقية طوال فتراتها المتعاقبة من معالجة تلك الأسباب، والتعامل معها بشكل يضمن عدم توسع تلك الظاهرة وتطورها وتكيفها مع كل مرحلة، ومن ثم تحولها إلى ظاهرة عالمية تعم الأرض جميعا، وتنذر بتحولات كونية كارثية على كل الصعد.
إن هذه الظاهرة تقوم أساسا على حالة تلازم بين المناهج الفكرية المؤسسة لها على أختلاف أنواعها ومدارسها، وتعتمد في نموها على علاقتها بالدواخل الإجتماعية كبيئة هشه لتثبيت أفكارها، وتبلور تنظيماتها بأساليب مسلحة، تتتطور وتتكيف مع الأسباب والقوانين والنصوص التي فيها مس مباشر لهذه الدواخل الاجتماعية.
هناك اليوم في العراق، وفي ظل هذه الفوضى، تعقيدات إجتماعية كبيرة، فيها تقاطعات مجتمعية، تقوم أساسا على التناحر المذهبي والأثني، وكلها جاءت بسبب الأسباب التي أشرنا لها أعلاه، والتي كانت حاصل محصل للأطراف الخارجية لأجل أن
تعبث بالنسيج الإجتماعي العراقي لصالح دخولها نحو المشهد وسيطرتها عليه، حيث سعت جاهدة لحرف بوصلة المجتمع برمته لصالحها، فبدأ البلد يشهد عمليات تغيير إجتماعية كبيرة، القت بظلالها على التركيبة المذهبية والعرقية.
أن مثل الحالة الإجتماعية في العراق الذي أشرنا له، ينطبق أيضا على الحالة السياسية والأمنية والفكرية والإقتصادية، فكلها اليوم باتت تدار من خلال هذه الأطراف، ومن خلال قوتها وأجنحتها المهيمنة على الأرض، وخصوصا في المرحلة الأخيرة، حيث أستفادت من الزخم الدولي الداعم لما عرف باسم جبهة الحرب على الإرهاب، فهذه العوامل كلها ستقود بالأخير إلى تقاطعات دينية عقائدية، وستكون “حصان طروادة” مستقبلا في تحديد أين تسير البلاد، ولمن تؤول تبعيتها، وأيضا في تحديد الإنتقال من حالة الدفاع إلى الهجوم من قبل الطرف الرافض لهذه الهيمنة، للتصدي لكل تلك المسشاريع، والتي لن تتوقف إن ما نجحت عند حدود العراق، بل سيسعى أصحابها في إنجاز مهمتهم، وتحقيق أهدافهم المعلنة أصلا، والمتمثلة في تصدير الثورة والتجربة الخمينية للدول المجاورة والإقليمية.



























