بقلم: ذكرى البياتي
الصمت عنوانها، والعزلة عالمها. قد تجلس بجوارك فلا تلاحظها، لكنها بنظراتها تخترق حصونك المنيعة، وتستشف أسرار نفسك وخباياها.
الفراغ يملأ روحها، والكلمات تتزاحم خلف جدار صدرها، تتسابق لتتحرر من قيودها، لكن شيئًا ما يمنعها من البوح. في أعماقها جرح ينزف، وذكريات تأبى الرحيل، وأصوات لا يسمع صداها سواها.
هادئة الطبع، أنيقة الحضور، نقية القلب، عميقة الفلسفة، رقيقة المشاعر، سخية العطاء؛ تمنح الآخرين من دفء روحها، بينما تخفي خلف صمتها تعبًا لا يعرفه أحد. كثيرة الأماني، تبحث عن قلب يفهمها دون شرح، ويحتويها دون سؤال، ولا يخذلها حين تثقل الحياة خطاها.
فإن عثرت عليها يومًا، فلا تكتفِ بالنظر إلى ملامحها، بل أنصت إلى صمتها، ولا تترك يدها؛ فقد أشقتها الحياة بما يكفي.
انا ما زلت أبحث بين زوايا العمر عن ذكرياتنا، أفتش في الذاكرة عن لحظات لا تُنسى، وعن أيام كان فيها القرب أبسط من كل الكلام، ولم يكن الغياب قد علّمنا قسوة المسافات.
أشتاق إلى هدنة مع نفسي، إلى لحظة يصمت فيها العتاب، ويهدأ ضجيج الاشتياق، وإلى عزلة أرتب فيها فوضى مشاعري، وأستعيد أنفاسي بعيدًا عن صخب الحياة. فبعض الذكريات لا تموت، بل تختبئ في أعماقنا، وتعود كلما مرّت أغنية، أو هبّت رائحة، أو داعب المطر شرفة الانتظار.
وأتعلم؟
كلما شربت قهوتي، أراك في فنجاني.
ازداد عشقي لها منذ عرفت أن القهوة تجلب وجوه الغائبين، فأصبحت رفيقة وحدتي، ونافذتي التي أطلّ منها على أيام مضت، وموعدًا أستعيد فيه ملامحك دون أن يراني أحد.
أحتسيها ببطء، وأراقب البخار المتصاعد، وكأنني أبحث بين خيوطه عن طيفك، أو عن لحظة تعيد إليّ شيئًا مما فقدته. أعرف أن الفنجان لا يعيد الغائبين، لكنه يمنح الذاكرة فرصة لتبوح بما عجز القلب عن نسيانه.
وهكذا صارت قهوتي أكثر من عادة؛ إنها حكاية حنين، ورفيقة صمت، ونافذة صغيرة على ماضٍ ما زال يسكنني.
أما أنا، فلست سوى امرأة تخبئ خلف هدوئها حكايات، وخلف ابتسامتها اشتياقًا، وفي فنجان قهوتها وجوهًا غابت ولم تغب عن الذاكرة.
لا أبحث عن المستحيل، بل عن راحة تسكن روحي، وصدق لا يتبدل، وأيام تحمل لي من الطمأنينة ما يعوّض تعب السنين.
سأترك للزمن ما مضى، وللذكرى ما بقي، وأمضي بما تبقى من العمر بقلب يعرف الحنين، لكنه لا يتخلى عن الأمل.
فلا تسأل من أنا… ربما لن تعرفني الكلمات، لكنك إن أصغيت إلى صمتي، وتأملت فنجان قهوتي، ستدرك أن بعض الحكايات لا تُروى، بل تعيش فينا إلى الأبد.



























