بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تغيرت خارطة السيطرة الميدانية في اليمن بشكل دراماتيكي نتيجة إطلاق القوات الحكومية اليمنية لعملية عسكرية واسعة تحت اسم “فجر اليمن”، وذلك بعد إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، استنفاد كافة فرص التهدئة وبدء التحرك العسكري الشامل لبسط سلطة الدولة.
تكمن العوامل والتحولات الرئيسية التي مكنت القوات الحكومية من تحقيق تقدم بارز والسيطرة على الأرض في النقاط التالية:
- التنسيق العسكري الموحد والعمليات المشتركة
تجاوزت القوات الحكومية الانقسامات السابقة عبر تشكيل جبهة موحدة تضم تشكيلات قوية ومختلفة؛ حيث نسقت “قوات درع الوطن”، و”ألوية العمالقة”، والمقاومة التهامية والشعبية عملياتها البرية بشكل متزامن أدى إلى إحداث اختراقات سريعة على الأرض.
- غطاء جوي مكثف ودعم إقليمي ودولي (“حلف مكة”)
ترافق الزحف البري مع غطاء جوي مكثف من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية ، بالإضافة إلى ذلك، أسهم تفعيل اتفاق الردع الجماعي والدفاع المشترك ضمن ما يُعرف بـ “حلف مكة” (بمشاركة تركيا وباكستان لحماية الأمن الإقليمي) بغية شل حركة وعتاد الحوثيين عبر تدمير مئات الآليات وتحييد مواقعهم اللوجستية.
- التركيز على المنافذ والممرات الاستراتيجية (الساحل الغربي وباب المندب)
غيرت القوات الحكومية استراتيجيتها بالتركيز على حرمان الحوثيين من الأوراق البحرية واللوجستية المؤثرة دولياً؛ فنجحت في إحكام السيطرة النارية الكاملة على مضيق باب المندب، ومديرية ذو باب، واستعادة مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية.
- استراتيجية تشتيت جبهات الخصم (الهجوم متعدد المحاور)
بدلاً من التركيز على جبهة واحدة، فتحت القوات الحكومية محاور قتال متزامنة لتشتيت القدرات الدفاعية للحوثيين في ظل غطاء جوي كثيف:
- محور تعز والساحل: تم تحرير المرتفعات الجبلية المطلة في الوازعية وجبل كهبوب لحماية خطوط الإمداد.
- محور مأرب والجوف: التقدم نحو معسكر “أم ريش” وسلسلة جبال ثمد جنوب مأرب، وتمركُز القوات في محور اللبنات للتحرك نحو مدينة الحزم في الجوف.
- محور حجة (الشمال الغربي): اطلاق هجوم واسع لتأمين منفذ حرض الحدودي والتقدم نحو ميناء ميدي
- نقل المعركة إلى العمق عبر “الهجوم الاستراتيجي“
أدخلت السلطات اليمنية تكتيكاً جديداً أطلقت عليه “الهجوم الاستراتيجي”، والذي يتضمن تنفيذ ضربات نوعية وعمليات عسكرية مباشرة في معاقل الحوثيين الرئيسية بالعاصمة صنعاء ومحافظة صعدة؛ ما أضعف قدرة الجماعة على المناورة في الجبهات المفتوحة .
تدشين حلف مكة
اتفقت المملكة العربية السعودية، وتركيا، وباكستان في اجتماع طوارئ بالرياض على إرسال قوات وقدرات عسكرية للمملكة لتأمين الأجواء وحماية المنشآت الحيوية ومصادر الطاقة ضد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي يشنها الحوثيون ،و يتركز ثقل هذا التحالف الدولي في تقديم الردع والدعم التكنولوجي الدفاعي (من تركيا)، والقوة البشرية العسكرية المنظمة والردع (من باكستان)، وذلك لحماية العمق الاستراتيجي للعمليات وتأمين خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ، الأمر الذي أضعف النفوذ الايراني وشلَ مراحل قدرته على إسناد حلفائه الحوثيين منذ سنوات ، حيث تأثر الموقف والدور الإيراني في ظل إطلاق عملية “فجر اليمن” وتفعيل “حلف مكة الدفاعي” بعدة تحولات استراتيجية:
- الابتزاز البحري والضغط الدولي
تتهم الحكومة اليمنية النظام الإيراني صراحةً باستخدام الحوثيين وورقة السيطرة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب كأداة للابتزاز السياسي الإقليمي والدولي. لكن، التحرك العسكري الخاطف للقوات الحكومية وبسط سيطرتها على المضيق والمناطق الساحلية سحب هذه الورقة البحرية الحساسة من يد الحرس الثوري الايراني.
- محاولة نقل المعركة إلى مضيق هرمز
في محاولة واضحة لتخفيف الضغط العسكري والاقتصادي المسلّط على حلفائها الحوثيين في اليمن، اتجهت طهران إلى تحويل الأنظار والتهديد نحو مضيق هرمز؛ حيث أعلنت قيادات في الحرس الثوري الإيراني استعدادها لإحكام إغلاق المضيق وتنفيذ ضربات استباقية بذريعة مواجهة الحشد العسكري والتحديات الاقتصادية.
- اتهامات واشنطن والرد الدبلوماسي
وجّهت واشنطن اتهامات مباشرة لطهران بالتورط والدعم المستمر للتصعيد الحوثي ، في المقابل، تحاول الخارجية الإيرانية تبني مسار دبلوماسي موازٍ عبر نقل ردودها على المقترحات الأمريكية عبر الوسطاء (مثل سلطنة عُمان)، بحثاً عن مخرج سياسي يحفظ نفوذها أو يهدئ وتيرة الخنق الاقتصادي والعسكري المفروض عليها.
- هجوم الحوثيين على “حلف مكة“
عكست تصريحات زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، الموقف الإيراني الضمني الرافض للتحالف الإقليمي الجديد؛ حيث هاجم تشكيل “حلف مكة“، واصفاً إياه بأنه محاولة من الرياض لتوريط تركيا وباكستان في الصراع، داعياً الأصوات الداخلية في تلك البلدان لمعارضة المشاركة في هذا الهجوم الإعلامي ما يعكس حالة القلق من دخول قوى عسكرية إقليمية كبرى على خط الدفاع المشترك لتأمين الأراضي السعودية وممرات الملاحة.
النتائج والتوقعات
نعتقد استمرار التوسع الاستراتيجي للقوات الحكومية ضد الحوثيين من اجل تأمين باب المندب بشكل مستدام، ثم تطوير الهجوم شمالاً نحو مدينة الحديدة وموانئها الاستراتيجية مع فتح بقية الجبهات ، لعزل الحوثيين بحرياً واستعادة موانئها الاستراتيجية ، الأمر الذي قد يدفع الحوثيين الى استخدام سياسة حرب الاستنزاف لامتصاص الصدمة الأولى للعملية، وإعادة ترتيب صفوفهم وفتح جبهات قتالية موازية بدعم إيراني بديل.
في ما تبقى احتمالات زيادة الزخم الجوي وتشديد الضربات على الحوثيين واردة جداً لإجبارهم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع الضعف، للوصول إلى تسوية سياسية تحت سقف الدولة اليمنية ، على اعتبار ان عملية “فجر اليمن” تجاوزت كونها مواجهة داخلية وانما أصبحت الجغرافيا اليمنية ومضيق باب المندب جزءاً حيوياً من منظومة الأمن الإقليمي والدولي ، من اجل تعزيز قدرات القوات الحكومية على تثبيت مكاسبها في المناطق الساحلية وتحويل تفوقها العسكري المؤقت إلى واقع سياسي دائم.



























