بقلم: ذكرى البياتي
أصبحت أعيش الغربة داخل الديار، وتكسو أيامي ظلمة الليل وأنا في وضح النهار.
تجمّدت مشاعري، وارتجف جسدي من بردٍ لا علاقة له بفصول السنة، فقدتُ الاحتواء والأمان منذ أن ابتعدتَ، وكأن شيئًا في داخلي ظلّ واقفًا عند آخر لحظة جمعتنا، لا يعرف كيف يمضي بعدها.
أبحث بين زوايا العمر عن ذكرياتنا، لا لأعيد الماضي، فقد أدركتُ أن بعض الأشياء إذا رحلت لا تعود كما كانت، وإنما أبحث عنها كي أسرق منها لحظات لا تُنسى؛ لحظات يصمت فيها كل جدال، ويتوارى كل عتاب مرير، ولا يبقى سوى ذلك الشعور الذي كان يجعل للحياة مذاقًا آخر.
أشتاق إلى تلك اللحظات التي مرّت في ذاكرتي سريعًا، لكنها تركت خلفها صورًا تأبى أن تغيب.
صورًا لا تستأذن حين تأتي، ولا ترحل حين نطلب منها الرحيل؛ يكفي أن يمر طيف، أو أسمع نغمة، أو أشم عطرًا يشبه زمنًا مضى، حتى تفتح الذاكرة أبوابها دفعة واحدة.
وأنا الآن لا أبحث عن الكثير…
كل ما أريده لحظة هدوء، وهدنة طويلة مع نفسي والحياة، وصمتٌ يكتم ضجيج اشتياق الروح، ووسادة سلام تسند أحلامي المتعبة.
أريد نغمة هادئة تغمرني بالسكينة، وسحابة عابرة تغسل ما تراكم في داخلي، أو عزلة أستطيع فيها أن أعيد حساباتي بعيدًا عن ضجيج الآخرين.
أريد أن أنصت لصوت العقل والقلب معًا، لعلني أصل إلى تلك المساحة الصغيرة من السلام التي فقدتها منذ زمن.
فالذكرى والأمل يحتاجان أحيانًا إلى خلوة طويلة، خلوة لا نهرب فيها من الحياة، بل نعود فيها إلى أنفسنا؛ نرتب فوضى أرواحنا، ونضع كل وجع في مكانه، ونترك ما لا نستطيع تغييره لإرادة الله.
تعلمت أن بعض الغياب لا يُشفى بالنسيان، وإنما نتعلم كيف نحمله دون أن ينكسر بنا الطريق.
وتعلمت أن الإنسان قد يبتعد عن مكان، وعن شخص، وعن زمن، لكنه لا يستطيع أن يبتعد بسهولة عما تركه ذلك المكان أو الشخص أو الزمن في قلبه.
أما أنت…
فما زلتَ تأتي إليّ بطريقة غريبة.
كلما شربت قهوتي، أراك في فنجاني.
أراك بين دوائرها، في بخارها المتصاعد، وفي مرارتها التي تشبه بعض الذكريات؛ مرةً توقظ الحنين، ومرةً تمنحني شيئًا من الدفء.
ومنذ أن عرفتُ أن للقهوة قدرة عجيبة على استحضار وجوه الغائبين، ازددتُ عشقًا لها.
يقولون إن القهوة تجلب وجوه الغائبين…
ولعلني لم أدمن القهوة وحدها، بل أدمنت ذلك الشعور الذي تمنحني إياه حين أجلس معها وحيدة؛ فأترك للفنجان أن يحتفظ بما لا أستطيع قوله، وللذاكرة أن تحضر دون موعد، وللحنين أن يجلس قبالتي كضيف قديم.
وربما لهذا أحببت القهوة…
لأنها لا تسألني لماذا أشتاق، ولا تلومني حين أتذكر، ولا تطلب مني أن أنسى.
تكتفي بأن تكون هناك…
وأكتفي أنا بأن أراقب فنجاني، وأبتسم لذلك الغائب الذي ما زال، رغم المسافات، يعرف طريقه إلى قلبي.



























