بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
أعاد التصريح الأخير لرئيس منظمة بدر ، هادي العامري، فتح واحدة من أعقد صفحات التاريخ العراقي الحديث وأكثرها دموية ، بعد حجب هوية الجهات المتورطة في قمع احتجاجات تشرين 2019 وابقائها في طي الكتمان الرسمي تحت مسمى “الطرف الثالث”، وفي تحول مثير قد يغير مجرى العدالة المغيبة في العراق، شكّل الاعتراف التلفزيوني الأخير للعامري بمسؤولية الفصائل المسلحة عن مواجهة متظاهري “انتفاضة تشرين” صدمة حقوقية واسعة ، ان هذا الإقرار الصريح لا يمثل مجرد قراءة سياسية لحدث مضى، بل يضع المنظومة القضائية العراقية وجهاز الادعاء العام أمام اختبار حقيقي لملاحقة المتورطين في دماء المئات من الضحايا، ويسلط الضوء على الأبعاد القانونية لشرعنة العنف خارج إطار الدولة ، ووفقاً للقراءات والتحليلات السياسية والميدانية الراهنة، تمثلت أبرز الأسباب وراء إطلاق هذا التصريح في هذا التوقيت بالنقاط التالية:
- الدفاع عن سلاح الفصائل وشرعيته
يمر العراق بملف معقد وحساس يتعلق بـ تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة، وتحديداً مع وجود مهلة نهائية لتسليم السلاح وتفكيك ارتباط بعض الفصائل وقد أراد العامري من خلال التذكير بأحداث تشرين إرسال رسالة بأن وجود سلاح الفصائل كان صمام أمان لحماية النظام السياسي والدولة من السقوط حين عجزت الأدوات الأخرى ويهدف هذا الخطاب إلى منح السلاح “شرعية وطنية” لحمايته من الضغوط المحلية والدولية الساعية لتفكيكه.
- التخوف من حراك شعبي أو تظاهرات جديدة
يرى مراقبون ومقربون من الإطار التنسيقي أن التصريح يحمل طابعاً تحذيرياً واستباقياً وتشير بعض القراءات السياسية إلى وجود مخاوف لدى الفصائل من ترتيبات في “غرف مظلمة” لإطلاق موجة تظاهرات جديدة تهدف لإسقاط النظام السياسي الطائفي ويمثل الحديث تذكيراً صريحاً لأي أطراف تفكر في الاحتجاج بأن الفصائل مستعدة للتدخل مجدداً وبذات القوة لحماية النظام.
- الصراع الإقليمي والضغوط العسكرية الخارجية
تزامن التصريح مع تعرض مواقع “الحشد الشعبي” والفصائل في عدة محافظات عراقية لضربات جوية خارجية مؤخراً ويسعى العامري من خلال هذه الكلمة إلى رص صفوف الفصائل داخلياً وتأكيد مركزية دورها التاريخي والحالي في حماية العراق ، ضمن محاولة لاحتواء أي تصعيد غير محسوب بين الفصائل الرافضة للتهدئة وبين الدولة من جهة، والدول الخارجية من جهة أخرى.
4. تعزيز الوحدة الشيعية داخل الإطار التنسيقي
يعاني الإطار التنسيقي من خلافات وتنافس بين أقطابه وتحديات حول التوازن السياسي ولهذا جاء الخطاب لمنع أي
انقسام أو صدام داخلي عبر تذكير كافة الشركاء بـ “الخطر المشترك” الذي واجهوه سابقاً والنجاح الذي حققوه سوياً
في تثبيت أركان النظام السياسي الحالي ولهذا أحدثت تصريحات هادي العامري ارتدادات وتفاعلات فورية واسعة
النطاق في الأوساط العراقية، حيث تباينت التداعيات بين حراك حقوقي مكثف وغضب شعبي متصاعد ،تحول سريعاً
من مجرد موقف سياسي إلى مستمسك جنائي أثار التحركات التالية:
أولاً: الارتدادات على المستوى القانوني
- تقديم إخبارات قضائية رسمية: سارع حقوقيون ومحامون إلى تقديم إخبارات قضائية رسمية إلى جهاز الادعاء العام العراقي ضد هادي العامري ، تطالب هذه الإخبارات باستدعائه رسمياً للاستماع إلى أقواله ومطابقتها مع ملفات قمع المتظاهرين.
- تفكيك لغز “الطرف الثالث”: اعتبرت أطراف سياسية وحقوقية (مثل حزب البيت الوطني) أن هذا الخطاب يمثل اعترافاً وإقراراً علنياً متبوعاً بأدلة، يكشف لأول مرة هوية “الطرف الثالث” المجهول الذي تسبب في تصفية المتظاهرين.
- دعاوى قضائية من ذوي الضحايا: أعلنت عائلات لضحايا بارزين في الاحتجاجات (من بينهم شقيق الناشط الراحل صفاء السراي) عن عزمهم تحريك دعاوى قضائية شخصية ضد العامري بناءً على هذا الإقرار الصريح.
- مطالبات بالتحقيق القضائي الشامل: طالبت منظمات محلية، منها المركز العراقي لحقوق الإنسان، ومركز الرافدين الدولي للعدالة وحقوق الانسان بفتح تحقيق شفاف يبحث في طبيعة المهام الميدانية التي نفذتها الفصائل المسلحة إبان تظاهرات 2019.
ثانياً: الارتدادات على المستوى الشعبي والسياسي
أشعل وصف الاحتجاجات بـ “الفتنة” والاعتراف بضربها موجة استنكار واسعة شملت الشارع ومنصات التواصل:
- غضب وتنديد واسع: سادت حالة من الاستياء الشعبي بين أوساط الناشطين وعموم المواطنين الذين اعتبروا التصريح استخفافاً بدماء مئات القتلى وآلاف الجرحى والمغيبين قسرياً.
- إعادة الاعتبار للحراك الشعبي: ردت الحركات المنبثقة عن الاحتجاجات ببيانات تؤكد أن “تشرين” كانت ثورة اجتماعية إصلاحية خالصة خرجت لمحاربة الفساد والمحاصصة، وليست “فتنة” مدبرة كما تم تصويرها.
- انتقاد محاولات شرعنة العنف: انتقد مراقبون وإعلاميون عراقيون هذا المنطق، مؤكدين أن توجيه السلاح العسكري لصد شباب عزل يحملون الأعلام لا يمكن تبريره سياسياً أو وطنياً.
- محاولات احتواء وتبرير داخلي: في المقابل، حاولت أطراف مقربة من الإطار التنسيقي التخفيف من وطأة التصريح، حيث صرح بعض المقربين بأن العامري لم يقصد الإساءة للحراك السلمي ككل، بل كان يشير إلى تحركات في “غرف مظلمة” حاولت استغلال الشارع لإسقاط الدولة.
النتائج والتوقعات
انتهت حقبة التملص من مسؤولية أحداث عام 2019؛ حيث تحول “الطرف الثالث” من شبح مجهول إلى جهة محددة باعتراف قيادي من الخط الأول ، الأمر الذي عمق الفجوة بشكل كامل بين القوى المدنية والمستقلة وبين قوى الإطار التنسيقي وكذلك احياء القضية الحقوقية و تحريك ملفات ضحايا الاحتجاجات قانونياً مجدداً بعد فترة من الركود، حولت منصات القضاء إلى ساحة مواجهة قانونية علنية ، قد تدفع باتجاه “تسوية قانونية صامتة” أو تجميد التحقيقات لمنع انهيار الاستقرار السياسي ومن المتوقع ، أن ينجح هذا الخطاب في إحداث ردع مؤقت، لكنه على المدى المتوسط يشكل وقوداً للشحن الشعبي لزيادة الضغوط المحلية (من القوى المناهضة) والدولية المطالبة بإنهاء ازدواجية السلاح وحل الفصائل ، مع الاخذ بنظر الأعنبار ، ان الفصائل المسلحة ستتجه إلى إغلاق صفوفها والتمسك بسلاحها بشكل أكثر راديكالية، معتبرة أن أي محاولة لتجريدها من السلاح هي محاولة لتجريد النظام من خط دفاعه الأخير.



























