بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تعكس زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني إلى دمشق اليوم الاثنين، حالة التطور التي شهدتها العلاقات بين سوريا وإقليم كردستان العراق، بعد سقوط النظام السابق، والتي تجسدت في سلسلة من اللقاءات والاتصالات بين مسؤولي الجانبين خلال أكثر من عام ونصف العام وتتمثل الدوافع الحقيقية وراء زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع في 3 أغسطس 2026 في تنفيذ اتفاق دمشق مع القوى الكردية، بحث تفاهمات أمنية واقتصادية، وتنسيق مواقف الإقليم مع دمشق لبحث الملفات السياسية والأمنية على النحو التالي:
- متابعة تنفيذ اتفاق 29 يناير بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ودمجها بمؤسسات الدولة.
- تعزيز الوساطة الكردية العراقية لدعم الاستقرار السلمي والمجتمعي في مناطق الإدارة الذاتية.
- ضبط أمن الحدود المشتركة وملاحقة عناصر التنظيمات الإرهابية.
- تنسيق ملف اللاجئين السوريين المقيمين في إقليم كردستان.
- بحث العلاقات الاقتصادية وإمكانية إعادة افتتاح القنصلية السورية في أربيل.
- يدعم نجاح وساطة بارزاني لدمج قوات “قسد” في مؤسسات الدولة السورية استقرار الشريط الحدودي، ما يحمي العمق العراقي من أي ارتدادات أمنية
تؤثر زيارة رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق على إيران من خلال الحد من نفوذها الإقليمي في سوريا، وقطع الطريق على استغلالها للملف الكردي كأوراق ضغط، نظراً للتحولات السياسية الجارية في المنطقة وكذلك خلق بديل إقليمي متوازن لبناء تحالفات واقعية متوازنة تقلل من ارتهان المنطقة للمخططات والأيديولوجيات الإيرانية ، خصوصاً ان إقليم كردستان يرى في تعزيز علاقاته الدبلوماسية المباشرة مع سوريا (التي تشهد مرحلة انتقالية برئاسة أحمد الشرع) وسيلة لحماية عمقه الاستراتيجي من الضغوط والتهديدات الأمنية المستمرة التي تمارسها طهران ضد الإقليم.
التحديات التي سيواجهها اقليم كردستان من قبل ايران
تواجه حكومة إقليم كردستان العراق تحديات أمنية وضغوطاً عسكرية واقتصادية متزايدة من قبل إيران عقب انفتاح الإقليم الدبلوماسي على سوريا وتنسيقه المباشر مع دمشق، إذ تنظر طهران إلى هذا التقارب الكردي-السوري باعتباره تهديداً مباشراً لما تبقى من نفوذها وممراتها الاستراتيجية في المنطقة.
- تكثيف ضربات المسيرات والصواريخ: تواجه أربيل ومناطق الإقليم خطر التعرض لموجات متزايدة من الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية الإيرانية (أو عبر فصائل الحشد الشعبي الموالية لها)، تحت ذريعة حماية أمن طهران القومي ومواجهة الحلفاء الإقليميين.
- استهداف مقرات الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة: ستواصل طهران الضغط عسكرياً وأمنياً داخل أراضي الإقليم لضرب وتفكيك مقار قوى المعارضة الكردية الإيرانية (مثل حزبي كومله والديمقراطي الكردستاني الإيراني) المتواجدة هناك، خشية استغلال أي تفاهمات إقليمية أوسع ضدها.
- خنق الممرات الحدودية : قد تلجأ إيران إلى توجيه فصائلها الحليفة في غرب العراق (مناطق نينوى والأنبار والشريط الحدودي) لفرض حصار بري غير رسمي أو عرقلة حركة الشاحنات والتبادل التجاري المنطلق من إقليم كردستان نحو الأراضي السورية.
- الضغط على المعابر غير الشرعية: ستحاول طهران الحفاظ بالقوة على خطوط إمدادها التقليدية العابرة للحدود (طهران-بغداد-دمشق)، ما يخلق احتكاكات عسكرية ميدانية مع قوات الأمن الكردية أو السورية الساعية لضبط الحدود.
- تحريك الأوراق القانونية والمالية: تستغل طهران نفوذها السياسي لدى الأطراف الموالية لها في الحكومة الاتحادية ومجلس النواب ببغداد لتعطيل الموازنات المالية للإقليم، أو إثارة ملفات قانونية تتعلق بصلاحيات الإقليم الخارجية وإدارته للملفات النفطية والحدودية.
- تأجيج الخلافات الكردية-الكردية: قد تسعى الاستخبارات الإيرانية إلى تعميق الفجوة السياسية والأمنية بين الحزبين الرئيسيين في الإقليم (الديمقراطي الكردستاني في أربيل، والاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية الأكثر قرباً جغرافياً وسياسياً من إيران) لمنع وجود موقف كردي موحد تجاه سوريا.
- اختراق الساحة العشائرية : لتقويض الوساطة التي قادها نيجيرفان بارزاني لدمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الدولة السورية، ستعمل إيران على تحريك خلاياها وفصائلها المتواجدة غرب الفرات لتأجيج الصراعات العربية-الكردية في دير الزور والقامشلي لضرب هذا الاستقرار الناشئ.
النتائج والتوقعات
تتمحور النتائج والتوقعات الجيوسياسية لزيارة رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق حول إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية، وتقليص النفوذ الإيراني، وبدء مرحلة جديدة من الاستقرار الأمني والاقتصادي بين أربيل ودمشق وبغداد ، وتثبيت اتفاق دمشق لدمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة السورية الى حيز التنفيذ الفعلي بضمانة ورعاية من أربيل وشرعنة التحرك الكردي الذي حظي بغطاء رسمي كامل من الحكومة الاتحادية في بغداد، ما يعزز موقف العراق الموحد في سياسته الخارجية وإطلاق التنسيق الأمني الثلاثي للبدء الفوري في وضع خطط أمنية مشتركة لضبط الحدود وملاحقة الخلايا الإرهابية المتسللة عبر الحدود المشتركة.
ويتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تراجعاً تدريجياً لسيطرة الفصائل الموالية لطهران على الممرات الحدودية السورية-العراقية نتيجة التنسيق الأمني بين دمشق وأربيل و إعادة افتتاح القنصلية السورية في أربيل قريباً، وتنشيط حركة التبادل التجاري البري، ما يسهم في التخفيف من أزمة اللاجئين السوريين عبر تنظيم عودتهم الطوعية ، فيما تبقى ردود الافعال الإيرانية منضبطة رغم استيائها ، إلا أن التوقعات تشير إلى لجوئها للضغط السياسي والاقتصادي غير المباشر عبر حلفائها في بغداد، بدلاً من التصعيد العسكري الشامل الذي قد يستفز أطرافاً دولية وإقليمية.




























