بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تحول الفساد في العراق من ظاهرة هيكلية متجذرة الى ثقافة يسيطر عليها سُراق المال العام ومن ممارسات فردية إلى سلوك مؤسسي عبر توزيع المناصب الحكومية وفق معايير الانتماء الحزبي أو الطائفي ، بل اصبح تداخل السلطات بيئة خِصبة لافلات كبار المسؤولين وصغارهم والشبكات المافيوية من العقاب وتحويل الوظيفة العامة من خدمة المواطن إلى مصدر للكسب غير المشروع منذ 2003 وتمثل الحملات الجارية في العراق لمكافحة الفساد تحدياً معقداً، في حين يُنظر إليها رسمياً كخطوة غير مسبوقة لاسترداد الأموال ومحاسبة الرؤوس الكبيرة، فيما يرى مراقبون أنها قد تكون انتقائية في بعض الأحيان، ما يثير مخاوف من تصفية حسابات سياسية أو إبعاد “صغار الفاسدين” لحماية “الحيتان الكبار” المرتبطين بالمنظومة الحزبية ولهذا تبقى مسألة القضاء على “الحيتان الكبار” بشكل نهائي مرهونة باستقلالية القضاء التامة بعيداً عن التدخلات الحزبية، والتي تتطلب دعماً شعبياً وسياسياً مستمراً لنجاح أي مسار إصلاحي و يرتبط نجاح هذه الإجراءات مستقبلاً بمدى قدرتها على تجاوز تهمة “إرضاء الخارج” أو “الانتقائية السياسية”، وتحويل الاعتقالات والمداهمات الأخيرة في المنطقة الخضراء إلى إصلاحات مؤسسية حقيقية تشمل الجميع.
أصلاح أم أفضاح
ينقسم المختصون والمراقبون للشان العراقي ، أن هذه الإجراءات تتأثر بضغوط وشروط واضحة من الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية التي تشترط مؤسساتها المالية الدولية لتعزيز الشفافية، ومكافحة غسيل الأموال، وتقليل النفوذ المالي للفصائل كمتطلب أساسي لبناء شراكة اقتصادية وجذب الاستثمارات، وحماية النظام المصرفي العراقي من العقوبات وتثير الحملة الأمنية الواسعة التي يقودها رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي جدلاً كبيراً حول ما إذا كانت تستهدف تفكيك شبكات الفساد من جذورها ، أم أنها تكتفي بالخطوط الثانية لغض البصر عن “الحيتان الكبار” لذر الرماد في العيون وتنقسم قراءة المشهد الحالي في العراق إلى عدة مسارات:
- أن الاعتقالات الحالية رغم شمولها مسؤولين بارزين ، ما زالت تبتعد عن قادة الكتل السياسية والزعامات النافذة التي تدير “منظومة الظل” وتتمتع بحصانة حزبية ، ويُعتقد أن التضحية ببعض الرؤوس الإدارية والسياسية المرفوع عنها الحصانة تستهدف امتصاص الغضب الشعبي، وإرضاء الشركاء الدوليين (مثل الولايات المتحدة)، دون المساس بالتوازنات السياسية العميقة أو تهديد عروش كبار المتنفذين.
- أن اقتصار الضربة على جبهة السامرائي التي تمثل الحليف الاستراتيجي للاطار التنسيقي داخل المكون السني دون جبهات اخرى يعكس طبيعة الصراع على زعامة المكون وبناء الإمبراطوريات المالية الغربية ، فيما يبقى المحك الفعلي لحكومة علي الزيدي ، على مدى قدرتها لتحويل هذه القضايا إلى مسار قضائي شامل يطال جميع الأطراف دون تمييز.
- تصدع وتشرذم الإطار التنسيقي نفسه، حيث لم يعد الإطار التنسيقي كتلة واحدة متماسكة بالكامل،بل يعيش انقسامات وخلافات حادة حول تشكيل الحكومة وتوزيع الحصص الوزارية ومحاولات الاستحواذ على القرار.
- تواجه حكومة الزيدي اتهامات مستمرة بأنها تحارب الفساد بانتقائية وتستهدف خصوم الإطار التنسيقي فقط تمثلت باعتقال السامرائي كضربة سياسية تهدف لإثبات جدية الحكومة للرأي العام الداخلي والشركاء الدوليين، عبر إظهار أن مقصلة “المجلس الأعلى للنزاهة” التي لا تستثني حتى الحلفاء المقربين من قوى السلطة إذا ما ثبتت عليهم أدلة قضائية.
وتثبت هذه التطورات ، أن التحالفات في العراق باتت متغيرة ومحكومة بلحظتها السياسية ، فحليف الأمس الاستراتيجي قد يصبح هدف اليوم ، إذا ما تقاطعت مصالح اللحظة الحرجة أو فرضت التحقيقات الجنائية استحقاقات لا يمكن للمنظومة السياسية التستر عليها.
أبعاد التدخل والداعمين
تلعب الجهات الدولية وفي مقدمتها واشنطن، دوراً ضاغطاً وداعماً مباشراً في كشف شبكات الفساد، واتخاذ إجراءات ملموسة للشفافية وتقليص نفوذ الجماعات المرتبطة بإيران وقد شاركت فرق تحقيق أمريكية فعلياً في كشف صفقات غسيل أموال مرتبطة بتمويل فصائل مسلحة ، بينما يُعزى التدخل الإقليمي غالباً إلى صراعات النفوذ السياسي والاقتصادي التي تتقاطع مع ملفات الفساد من خلال قضايا تهريب العملة، والنفط، وتمويل القوى السياسية المتهمة باستخدام أموال الدولة في تمويل جماعات حليفة لطهران ، ولهذا تنظر الولايات المتحدة ودول الخليج إلى النفوذ الإيراني في العراق كمهدد رئيسي للاستقرار الإقليمي والمصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة ، وتتحرك هذه الأطراف عبر استراتيجيات متعددة تهدف إلى تعزيز سيادة بغداد وتقليص ارتباطها بطهران ، حيث تسعى دول الخليج (خاصة السعودية والكويت) إلى ربط شبكات الكهرباء مع العراق لإنهاء اعتماده الكامل على الغاز والطاقة الإيرانية وكذلك عبر الاستثمارات الاقتصادية الواسعة في قطاعات البنية التحتية، والإعمار، والغاز لدعم استقلالية الاقتصاد العراقي ، ناهيك عن الرقابة المالية والمصرفية التي يفرضها البنك الفيدرالي الأمريكي على حركة الدولار في العراق لمنع تهريب العملة وغسيل الأموال لصالح شبكات مرتبطة بإيران ولهذا تدفع دول الخليج نحو إعادة دمج العراق بالكامل في محيطه العربي سياسياً واقتصادياً ليكون عمقاً موازياً للنفوذ الإيراني.
فيما تأتي أبعاد وأولويات الموقف الإيراني تجاه حملة مكافحة الفساد التي يقودها الزيدي ، تتعامل إيران مع حملة مكافحة الفساد الشرسة والواسعة التي يقودها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بحذر شديد وتوجس سياسي، حيث تتأرجح النظرة الإيرانية للحملة بين مخاوف تفكيك شبكات نفوذ حلفائها في بغداد، وبين ضرورة الحفاظ على استقرار حكومة الزيدي لضمان عدم انهيار التوازنات الجيوسياسية والخشية من استهداف “الصف الثاني” لحلفائها ، خاصة في وزارات حيوية مثل النفط والصناعة ، حيث تخشى أن تساهم هذه الاعتقالات في تجفيف منابع الدعم المالي واللوجيستي لبعض الفصائل والقوى السياسية المقربة منها في العراق ، كما تثير توقيتات الإجراءات الصارمة وتأسيس “المجلس الأعلى للنزاهة” ريبة طهران، وتحديداً مع تزامنها مع ترتيبات لقاء الزيدي بالإدارة الأمريكية في واشنطن ، حيث تنظر إيران إلى الضغوط المالية الأمريكية الصارمة على حركة الدولار كأداة سياسية مصممة أساساً لمحاصرتها اقتصادياً عبر البوابة العراقية ورغم الهواجس، تحرص طهران علناً على عدم الدخول في صدام مباشر مع حكومة الزيدي التي تمتلك تأييداً شعبياً وقضائياً واسعاً في هذه الصولة ، في حين تتمثل الخطوط الحمراء لطهران ، ان لا تتحول حملة مكافحة الفساد أو مساعي “حصر السلاح بيد الدولة” إلى أداة لإقصاء قوى الإطار التنسيقي كلياً من المشهد، أو تقويض النفوذ الاستراتيجي الإيراني في مفاصل الدولة الحيوية.
سيناريوهات التغيير والالتفاف السياسي في البرلمان
إذا استعصى على الكتل المتضررة إيقاف الحملة أمنياً، فإنها ستلجأ غالباً إلى “الخيارات القانونية والسياسية” لإجهاضها داخل مجلس النواب:
- تعطيل النصاب وسحب الثقة من قبل الكتل المتضررة نفوذاً برلمانياً ما يمكنها من مقاطعة الجلسات، أو تشكيل جبهة معارضة موحدة للضغط باتجاه استجواب رئيس الوزراء ثم التصويت على سحب الثقة من الحكومة تحت ذريعة “الاستهداف السياسي”.
- أزمة تشكيل الوزارات الاستراتيجية: قد تستخدم هذه القوى ملف الحقائب الوزارية المتبقية كورقة مساومة ، بحيث تشترط تمرير الحكومة مقابل وضع قيود على تحركات لجنة مكافحة الفساد ومنعها من تجاوز خطوط حمراء معينة.
- المقايضة بالتسوية السياسية، من خلال الضغط نحو تفعيل مبدأ “عفا الله عما سلف” من خلال طرح مشاريع قوانين أو تفاهمات سياسية خلف الكواليس تشمل استرداد جزء من الأموال مقابل إسقاط التهم عن القيادات الرفيعة لتجنب انهيار النظام السياسي.
فيما تبقى الورقة الاكثر خطورة منوطة بمدى جدية الزيدي بضرب الحيتان الكبيرة التي ترتبط بملفات الفساد والعنف الطائفي وتسليم ثلث مساحة العراق لتنظيم داعش وبيع المناصب الحكومية وتهريب الدولار وغيرها من الملفات ، نقطة الفصل في هذه الحملة التي ستتضح ملامحها بعد زيارة رئيس الوزراء لواشنطن والاشتراطات التي ستفرضها عليه ومدى جاهزيته لتقبلها وتحمل عواقبها على المستوى الشخصي … فيما يبقى السؤال مطروحاً: هل سيصمد الزيدي تجاه ردة فعل الحيتان الكبار وهل ستؤمن واشنطن حمايته؟ أم سيكون كبش فداء يقدم على محراب التغيير.





























