بقلم: د. مروة بنت سلمان آل صلاح
مطور للمدن الذكية والاقتصاد الرقمي
هناك لحظات في حياة الاقتصادات لا تعود فيها المشكلة في حجم الأرقام، بل في الاتجاه الذي تتحرك فيه فالدين العام ليس خطرا لأنه مرتفع فقط والعجز المالي ليس مقلقا لأنه يتكرر فقط والقروض الخارجية ليست عبئا لأنها مستحقة السداد فقط الخطر الحقيقي يبدأ عندما تصبح هذه المؤشرات جزءا دائما من المشهد الاقتصادي وعندما يتحول الاقتراض من أداة استثنائية لمعالجة الاختلالات إلى آلية مستمرة للحفاظ على التوازن المالي.
في الأردن لم تعد قضية المديونية مجرد ملف مالي يخص الخبراء وصناع القرار، بل أصبحت واحدة من أكثر القضايا تأثيرا في مستقبل الاقتصاد الوطني فبحسب بيانات وزارة المالية بلغ الدين العام للمملكة بعد استثناء ما يحمله صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي نحو 35.9 مليار دينار مع نهاية أيلول 2025 أي ما يعادل 82.8% من الناتج المحلي الإجمالي فيما سجلت الموازنة عجزا بلغ نحو 1.775 مليار دينار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام نفسه ووصل إجمالي الإنفاق الحكومي إلى 8.760 مليار دينار.
هذه الأرقام لا تعني أن الأردن يواجه أزمة مالية وشيكة كما لا تعني أن الاقتصاد يقف على حافة الانهيار لكن تجاهل دلالاتها لا يقل خطورة عن المبالغة في تفسيرها فعندما يقترب الدين العام من أربعة أخماس الناتج المحلي الإجمالي فإن القضية لم تعد مجرد رقم في تقرير مالي بل أصبحت مرتبطة مباشرة بقدرة الدولة على تمويل أولوياتها التنموية والحفاظ على هامش الحركة المتاح أمامها في مواجهة الأزمات المستقبلية.
المشكلة الحقيقية ليست أن الدين ارتفع، بل أن ارتفاعه أصبح أمرا معتادا فالأرقام الكبيرة تفقد قدرتها على إثارة الانتباه عندما تتكرر عاما بعد عام والعجز المالي يتحول إلى خبر روتيني عندما يظهر في كل موازنة والاقتراض يصبح إجراء طبيعيا .
فالاقتصاد لا يقيس سلامة الأوضاع بحجم الدين وحده، بل بالعلاقة بين الدين والنمو ويمكن لاقتصاد ما أن يتحمل مستويات مرتفعة من المديونية إذا كان قادرا على إنتاج الثروة بوتيرة أسرع من تراكم الالتزامات المالية أما عندما يصبح الدين أسرع نموا من الاقتصاد نفسه فإن المشكلة تنتقل من كونها تحديا ماليا قابلا للإدارة إلى مسار اقتصادي يستدعي التوقف والمراجعة.
ولكي يكون النقاش منصفا لا بد من الاعتراف بأن الأردن واجه خلال العقدين الماضيين ظروفا استثنائية فقد تحمل أعباء أزمات إقليمية متلاحقة واستضاف أعدادا كبيرة من اللاجئين وتأثر بإغلاقات الحدود واضطرابات التجارة كما واجه تداعيات جائحة كورونا وما تبعها من موجات تضخم وارتفاع في أسعار الطاقة والغذاء لكن الاقتصاد لا يمنح إعفاءات دائمة بسبب الظروف الصعبة فالظروف قد تفسر المشكلة لكنها لا تعفي من ضرورة معالجتها.
فالقروض ليست إنجازا اقتصاديا بحد ذاتها، بل أداة وقيمة هذه الأداة تقاس بما تنتجه فإذا تحولت الأموال المقترضة إلى استثمارات منتجة ومشاريع قادرة على رفع الإنتاجية وقطاعات تولد فرص عمل مستدامة فإن الاقتراض يصبح جزءا من عملية التنمية أما إذا كان الهدف الرئيسي من الاقتراض هو تغطية العجز وتمويل الالتزامات القائمة فإن الاقتصاد يدخل تدريجيا في دائرة يصبح فيها الدين وسيلة لإدارة الدين.
وهنا تظهر الكلفة الحقيقية للمديونية فالمشكلة ليست فقط في أصل الدين، بل في الموارد التي تستنزف لخدمته وكلما ارتفعت الالتزامات المالية تقلصت المساحة المتاحة للإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية وعند هذه النقطة لا يعود الدين مجرد رقم مالي، بل يصبح عاملا مؤثرا في سرعة النمو وجودة الخدمات وقدرة الدولة على الاستثمار في المستقبل.
أما القروض الخارجية فتضيف بعدا آخر للتحدي فهي توفر تمويلا تحتاجه الدولة في كثير من الأحيان لكنها في الوقت نفسه تزيد ارتباط الاقتصاد بالظروف المالية العالمية وأسعار الفائدة والتقلبات الدولية. ولهذا فإن نجاح أي سياسة مالية لا يقاس بحجم ما تحصل عليه من قروض، بل بقدرتها على تقليل الحاجة المستقبلية إليها.
ولا تقتصر المديونية العامة على القروض الخارجية فجزء مهم منها يتم تمويله من داخل الاقتصاد الوطني عبر البنوك المحلية والمؤسسات الاستثمارية وفي مقدمتها صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي. ورغم أن الدين الداخلي يبدو أقل حساسية تجاه تقلبات الأسواق العالمية وأسعار الصرف إلا أنه لا يقل أهمية من حيث أثره الاقتصادي. فالأموال التي تتجه إلى تمويل احتياجات الخزينة هي في جوهرها مدخرات وطنية كان يمكن أن تسهم في تمويل استثمارات إنتاجية وتوسعات اقتصادية جديدة. وكلما ارتفع اعتماد الحكومة على مصادر التمويل المحلية برز تحد يتمثل في تحقيق التوازن بين احتياجات المالية العامة ومتطلبات النمو الاقتصادي فالمسألة لا تتعلق فقط بتأمين التمويل بل بكيفية توظيف الموارد المتاحة داخل الاقتصاد كما أن استثمار جزء من أموال الضمان الاجتماعي في أدوات الدين الحكومية يوفر مستوى مرتفعا من الأمان والاستقرار لكنه يضع في الوقت ذاته مسؤولية مضاعفة على صناع القرار لضمان أن تتحول هذه الموارد إلى محرك للنمو والتنمية لا إلى أداة دائمة لتمويل العجز فمصدر الدين قد يختلف لكن المعيار الاقتصادي يبقى واحدا في القدرة الإنتاجية للاقتصاد بالتوسع وعدم اقتصارها على تغطية الإلتزامات فقط .
ورغم ذلك فإن الصورة ليست قاتمة فالأردن يمتلك عناصر قوة حقيقية من استقرار نقدي ومؤسسات مالية متماسكة وقطاعات واعدة في التكنولوجيا والخدمات والسياحة والصناعات المتخصصة لكن هذه المزايا لن تغير مسار المديونية ما لم تتحول إلى نمو اقتصادي أعلى وإنتاجية أكبر واستثمارات أوسع وقدرة حقيقية على توليد الثروة.
فالاقتصادات لا تخرج من دائرة الديون عبر إعادة تدوير القروض ولا عبر تأجيل الاستحقاقات ولا عبر الخطابات المطمئنة إنها تخرج منها عندما يصبح الإنتاج أسرع من الإنفاق والاستثمار أقوى من الاستهلاك والنمو أعلى من تراكم الالتزامات.
بعيدا عن الخطابات والتبريرات تبقى الحقيقة واضحة لا يمكن لأي دولة أن تبني استقرارا دائما على عجز دائم ولا يمكن لأي اقتصاد أن يعتمد على الاقتراض أكثر مما يعتمد على الإنتاج لذلك فإن السؤال الذي يواجه الأردن اليوم ليس كيف يدير الدين، بل كيف يكسر المسار الذي ينتجه فالمشكلة ليست أن الأردن مدين بل أن الدين ما زال ينمو أسرع من قدرة الاقتصاد على الاستغناء عنه.

























