بقلم: ذكرى البياتي
وبعدُ سيدي،
فإني لا أستطيع كتم ما فاض من قارورة روحي بعد الآن، فكان لزامًا عليّ أن أجعل كلماتي تتدفق من قلمي كجداول، لعلها تصل إلى بابك البعيد الموصَد، فيصيبك شيءٌ من قلقي.
ولكن يا سيدي،
حين تضيق الدروب بما رحبت، وتثقل الأيام كاهل العابرين، لا يحتاج المرء دائمًا إلى معجزات كبرى، بل قد تكفيه التفاتةٌ رقيقة تُرمّم ما تصدّع في أعماقه…
في زحام الحياة العابث، حيث يركض الجميع دون التفات، ثمة أرواح تذبل صمتًا خلف واجهات متبسمة…
لا تطلب هذه الأرواح الكثير، بل تترقب غيمة حنانٍ ممطرة عابرة، وكلمة طيبة تُقال بصدق، فتسقط على القلب كأول قطرة مطر في أرضٍ قاحلة.
ما الحال يا سيدي؟ فأنا ادّعيت كثيرًا نسيانك، وكتبت في ذلك كلماتٍ عديدة، لكني أعلم أن روحي تحنّ إليك، تفتش عنك في داخلها كل يوم، حتى إن أحرفي باتت تسألني عنك، وفي كل مرة أجدك تتربع على عرشها.
اطمأننتُ لذلك، وإن كان طمأنينةً حزينةً مؤقتة، لأن شوقي إليك يعلم أنه سيُقتل على يدك مرارًا وتكرارًا.
ومن جهة أخرى، تستعذب روحي تلك الهواية المفضلة: الشوق إليك.
أتدري؟ سأخبرك سرًا: أنا عاجزة عن تعليم قلبي أي لغة أخرى سوى الاشتياق لك، عاجزة عن رسم نقشٍ لا يحمل وجهك.
لقد أصبح قلبي كبحرٍ لا يقبل أسماكًا جديدة؛ فملوحة مياهه من الشوق تطرد كل ما سواك.
إني والله أصبحت كفنجان قهوةٍ مسكونٍ بأشباح صورتك وكلماتي التي كتبتها لك، ومسكون بالماضي والوهم المعتّق بلا عودة، لكن للأسف لا أحد يتجرّع مرارة هذا الفنجان غيري.
آهٍ لو تعلم كم حاولتُ حذف اسمك الجميل من لغتي، وكم جربتُ من الملهيات والمشتتات لأتغير، ولكني أعترف أني لم أبرع في إكمال هذه المسرحية الهزلية طويلًا، فكانت المحصلة أني ما زلت أحبك وأشتاق إليك.
إن وقع ذلك مؤلم على روحي، وطعمه مَرّ على شفتي.
ولكن يا سيدي،
لا مهرب من الاعتراف أني ما زلت أمرّ في أزقة الذكريات وحيدة، وأعبر حكاياتي كأميرة تتخلى عن عرشها، وتتوج نفسها بالسقوط، تاركة كل المحاولات التي لم تعد على مقاس روحي.
وما زالت السنوات تمر، ولا أجد لها طعمًا إلا طعم الحنين، ولا رائحة إلا رائحة دموعي. تمر السنين ولا أجد نديمًا يشاطرني حزنها، غير تلك المساءات الحزينة التي كنا نمضيها معًا، والمشاعر الجميلة.
تمر السنوات ولا أعرف أن أعنون لها بكلمات أخرى، سوى: أنا وأغنية فيروز «بعدك على بالي»، تلك الأغنية التي كلما سمعتها في مذياعي، ارتديت كفنًا من الحنين والشوق، وابتسمت للموت الناعم ببعدك.
وتمر السنوات ولا أجد تجربة تعيد روحي إلى سيرتها الأولى، وإلى سنين الطفولة المرحة.
وتمر السنوات وأنا ومحمود درويش لا عرش لنا إلا هوامش الذكرى، أتمرّ عليها ولا أمرّ معها، بل أظل واقفة هناك في شارع الذكريات، وعلى ظهري حقيبة أحلامي الطفولية البيضاء التي تحولت إلى قرمزية، وفي روحي دفتر قصائد وسيناريو حياة لم يرَ النور بعد، وعلى لساني هدير كلمات لا أعرف لمن تُقال.
فماذا حدث؟

























