بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
باتت الأزمة بين واشنطن وطهران ، أعمق بكثير من مجرد جولات دبلوماسية، فهي ترتبط بصراع نفوذ هيكلي وجيوسياسي في الشرق الأوسط يتجاوز قدرة أي وسيط على تسويته رغم الجولات المكوكية التي يتحرك بفضائها الوسطاء ، الا اننا نرى هذه التحركات كمن “يحارب طواحين الهواء” بسبب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وجدار الثقة المفقود بين الطرفين ، وتتمحور الخلافات الجوهرية التي تعجز الوساطات عن تفكيكها حول النقاط التالية:
- مشروع النفوذ الإقليمي: ترى واشنطن أن شبكة التحالفات والفصائل المسلحة الموالية لإيران تهدد أمن حلفائها القريبين وتزعزع استقرار المنطقة، بينما تعتبرها طهران عمقها الاستراتيجي وحائط صد لحماية نظامها من أي محاولات إسقاط خارجية.
- سباق التسلح الردعي: تصر الولايات المتحدة على إدراج برنامج الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة الإيرانية في أي مفاوضات شاملة، في حين ترفض إيران ذلك قطعياً وتعتبر ترسانتها العسكرية حقاً سيادياً غير قابل للنقاش لضمان توازن القوى.
- أزمة الثقة الوجودية : تكمن بانسحاب واشنطن السابق من الاتفاق النووي عام 2018 اعطى قناعة راسخة لدى صناع القرار في طهران بأن الإدارات الأمريكية لا يمكن الوثوق بتعهداتها، ما يفسر إصرارهم الحالي على طلب ضمانات قانونية واقتصادية تعجز الإدارة الأمريكية الحالية عن تقديمها بسبب معارضة الكونغرس.
ولهذا تكمن العقدة الأساسية للاتفاق بين أمريكا وإيران في تشابك المطالب والشروط ، حيث تطالب طهران برفع العقوبات مقابل القيود النووية ، الأمر الذي ترفضه واشنطن كدفعة واحدة قبل تفكيك أو تقليص إيران لبرنامجها النووي وتخصيب اليورانيوم، بينما تصر طهران على رفع العقوبات أولاً والإفراج عن أصولها المجمدة كشرط مسبق للالتزام بأي قيود. بينما يتعلق الشرط المختلف عليه بموضوع إغلاق الممرات البحرية وضمانات الملاحة وتأمين حركة الملاحة وفتح مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً للطاقة العالمية ، حيث تسعى واشنطن للحصول على ضمانات بحرية ملزمة تقابلها إيران بمطالب تتعلق بإنهاء الحصار البحري المفروض عليها وهذا مايجعل التراجع عن الاتفاق كما حدث في الانسحاب من الاتفاق النووي السابق يلقي بظلاله على التوصل لتفاهم نهائي يتجاوز حدود امكانية الوسطاء.
النتائج والتوقعات
لدينا استشراف بالسيناريوهات المحتملة في حال انكمش دور الوسطاء واستنزف دورهم في التوصل الى اتفاق نهائي بين الخصوم تتمحور بشقين اولاً: العمل العسكري وهذا مايجعلنا نتنبأ بحكم المعطيات الى لجوء الاطراف الى حرب الظل والاستنزاف عبر استمرار الهجمات السيبرانية المتبادلة، واستهداف السفن التجارية في الممرات المائية، واغتيال العلماء أو الشخصيات العسكرية، دون إعلان حرب رسمية ، وربما ستقوم أمريكا بشن ضربات جراحية محدودة ومركزة لمنشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية (مثل نطنز وفردو) بهدف تعطيل البرنامج النووي لفترة زمنية طويلة . بالمقابل سترد ايران بمواجهة اقليمية شاملة عبر تفعيل “وحدة الساحات”، ما يعني إمطار القواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة بالصواريخ والمسيرات، وإغلاق مضيق هرمز عسكرياً.
ثانياً: الخناق الاقتصادي ويكمن باستمرار سياسة “الضغط الأقصى” والعقوبات الذي سيترك تداعيات عميقة على الطرفين والعالم ، ابتداءً من الاقتصاد الإيراني الذي سيؤدي الى استنزاف مستمر للعملة المحلية (الريال)، ومعدلات التضخم والصعوبة في تصدير النفط بشكل رسمي، ما يدفع طهران نحو تعزيز “اقتصاد المقاومة” والاعتماد كلياً على الأسواق الموازية والصين. أما بالنسبة للاقتصاد الأمريكي والعالمي فاننا سنشهد بقاء أسواق الطاقة العالمية تحت رحمة التوترات السياسية لأن أي تهديد للملاحة في الخليج يرفع أسعار النفط والتأمين البحري فوراً، ما يعقد جهود واشنطن في كبح التضخم الداخلي.
ستبقى مفاجئات اللحضة الاخيرة قائمة خصوصاً فيما يتعلق بتدمير اليورانيوم المخصب مقابل رفع الحصار الامريكي عن ايران وفتح مضيق هرمز امام الملاحة الدولية دون اي وصاية من جميع الاطراف وربما ستُبقى واشنطن ورقة اطلاق الاموال الايرانية المجمدة مرهونة بتطورات تنفيذ الالتزامات
























