بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يطفو على سطح السياسة والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تحليلات متزايدة تتعلق بضرورة أن تقوم الإمارات التي باتت تملك ترسانة عسكرية متطورة يمكنها من الرد على الاستهدافات الأخيرة وخصوصاً من قبل بعض الأطراف الإقليمية والدولية التي قد تستفيد من دفع التوتر بين الطرفين إلى مستوى المواجهة المباشرة أو غير المباشرة ، في ظل الملفات الحساسة التي تتعلق بـ(أمن الخليج، الملاحة البحرية ، النفوذ الإقليمي، والجزر المتنازع عليها ) بالمقابل توجد أطراف داخلية وخارجية ترى أن أي تقارب إماراتي-إيراني يقلل من نفوذها أو يغيّر من توازنات المنطقة ، لذلك يظهر أحيانًا خطاب إعلامي أو سياسي يدفع باتجاه التصعيد ، على اعتبار أن القرار النهائي تحكمه حسابات تتعلق بالكلفة الاقتصادية وأمن الخليج وردود الفعل الدولية والاستقرار الداخلي ، إلا أننا نرى عمليًا ، أن السياسة الإماراتية قد اتجهت خلال الفترة الأخيرة نحو التهدئة الدبلوماسية مع إيران وإعادة قنوات التواصل والتركيز على الاقتصاد والاستقرار وتجنب الانخراط في حرب مفتوحة تحت مسمى “العقلنة العسكرية والسياسية” وان هذه الاجراء المهني لايعني الضعف بقدر ما يعني الحكمة وان التحريض على الرد الاماراتي يكمن داخل الإمارات وخارجها وخصوصا في الإعلام العربي، لكن المؤشرات العامة توحي بأن أبوظبي تفضّل احتواء التوتر أكثر من الدخول في مواجهة مباشرة ، إلا إذا وقع حدث كبير يفرض ردًا مختلفًا.
ان هذا طرح يتداوله كثير من المتابعين، خصوصًا مع ملاحظة أن بعض المنابر الإعلامية أو الحسابات السياسية تتبنّى خطابًا تصعيديًا تجاه ايران وتضغط باتجاه مواقف أكثر حدة من الامارات العربية المتحدة وهذا مالمسناه فعلاً، في أوقات التوتر الإقليمي حيث يظهر نوعان من الخطاب: الاول يدعو للتهدئة وحماية المصالح الاقتصادية والاستقرار والثاني: يعتبر أن أي تهدئة تُفسَّر كضعف، ويدفع نحو ردود أقوى أو مواجهة مباشرة ، وهذا لا يقتصر على جهة واحدة وانما مزيج الاصوات الإعلامية و التيارات السياسية أو من خلال حسابات مرتبطة بصراعات النفوذ في المنطقة ، أو من خلال الجمهور المتأثر بالاستقطاب الإقليمي ، كما أن الإعلام العربي نفسه ليس كتلة واحدة ، بعضه قريب من توجهات دول، وبعضه يعكس صراعات أيديولوجية أو جيوسياسية، لذلك تختلف طريقة تغطية أي حادث بين قناة وأخرى بشكل واضح.
لكن في النهاية، الدول عادة لا تبني قرارات الحرب أو التصعيد على الخطاب الإعلامي وحده، بل على تقديرات أمنية واقتصادية وتحالفات ومصالح طويلة المدى ، فالإمارات تحديدًا تُعرف في السنوات الأخيرة بأنها تميل إلى إدارة الأزمات بحسابات براغماتية أكثر من الانجرار وراء التصعيد الإعلامي الذي كان آخره عبر وكالة تسنيم الايرانية ، حين نشرت على لسان مصدر عسكري إيراني وجّه رسالة تحذير للإمارات تضمنت ( أن أي تصرف غير عقلاني من جانب الإمارات قد يجعل جميع مصالحها هدفًا لإيران ) إلا أن الرد الإماراتي كان اكثر حكمةً وتعقلاً أنها تحتفظ “بحق الرد” على الهجمات الإيرانية الأخيرة التي وصفتها بأنها تصعيد خطير.
من الصعب الجزم بما ستفعله دولة الامارات العربية المتحدة لكن حتى الآن تبدو المؤشرات أقرب إلى الرد الدبلوماسي أكثر من الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع ايران ، خصوصاً ، ان هناك عدة عوامل تدفع الإمارات الحذر من الانجرار نحو المواجهة ، كونها تركز منذ سنوات على الاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمار، وأي تصعيد عسكري واسع في الخليج يهدد ذلك مباشرة لتمتعها بعلاقات تجارية وملاحية مهمة مرتبطة بأمن الخليج ومضيق هرمز ، الا انه رغم التقارب الأمني مع الولايات المتحدة وشركاء إقليميين، فإن أبوظبي عادة تحاول تجنب أن تكون ساحة مواجهة مباشرة كونها تفضل استخدام الضغط السياسي والتنسيق الأمني بدل الانخراط العسكري المباشر ، مع الاخذ بنظر الاعتبار زيادة تعاونها الدفاعي والاستخباراتي ودعم عمليات غير مباشرة ، أو من خلال المشاركة ضمن تحالفات دفاعية محدودة وهذا ماتجلى بالزيارة التفقدية الاخيرة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى مفرزة المقاتلات المصرية المتمركزة داخل الإمارات، للاطلاع على الجاهزية والاستعداد العملياتي والتي أثارت اهتمامًا واسعًا لأنها جاءت وسط التوتر الإقليمي الحالي بين الامارات العربية وايران وانها جاءت بعد الهجمات الإيرانية الأخيرة التي قالت أبوظبي إنها استهدفت أراضيها بالصواريخ والمسيّرات ولعل الملفت في الموضوع انها المرة الاولى التي يُعلن فيها رسميًا عن وجود مقاتلات مصرية متمركزة في الإمارات وكذلك تصريح الرئيس السيسي أن “ما يمس الإمارات يمس مصر”، مع إدانة الهجمات الإيرانية سياسيًا وعسكريًا وهي رسالة تبدو أقرب إلى إظهار تضامن مصري واضح مع الإمارات ورفع مستوى الردع والتنسيق العسكري ، وان وجود قوات ومقاتلات مصرية على الأرض الإماراتية يعطي انطباعًا بأن القاهرة تريد إظهار استعدادها لدعم أمن الخليج إذا تصاعدت الأزمة.
النتائج والتوقعات
تنتهج الإمارات سياسة ضبط النفس الذي يميل عادة إلى الجمع بين ، إظهار القدرة العسكرية والجاهزية والذي جاء من خلال الطيران المسير المجهول الذي ضرب العمق الإيراني ، وبين الدعوة إلى التهدئة وتجنب التصعيد المفتوح وقد تجلت هذه السياسة خلال الأزمة الحالية مع ايران الذي تمثل بادانة الهجمات والتأكيد على “حق الرد”والدعوات للحلول السياسية وخفض التوتر، وعدم إعلان خطوات عسكرية هجومية مباشرة حتى الآن وهذا النهج مرتبط بعدة اعتبارات تتمثل بحماية الاقتصاد والاستثمارات وحركة التجارة وتجنب تهديد البنية التحتية والطاقة والموانئ والحفاظ على دور الإمارات كشريك اقتصادي ودبلوماسي إقليمي … إلا أن ضبط النفس لا يعني غياب الرد بالكامل أو الضعف الذي يشجع الخصم على مواصلة الضغط والتهديد ، فأحيانًا يكون الرد دفاعيًا واستخباراتيًا، او عبر تحالفات وشراكات أمنية، أو من خلال الضغط السياسي والدبلوماسي بدل المواجهة المباشرة ، وهنا ينقسم ميزان الحسابات بين (الضعف والحكمة) وفي العلاقات الدولية لا يُنظر الى “ضبط النفس” على أنه ضعف ، بل جزءًا من إدارة القوة وليس التخلي عنها وهناك من يرى أنها حكمة سياسية تجنب الحرب الواسعة في الخليج وتحمي الاقتصاد والاستقرار ويمنع خسائر كبيرة، خصوصًا أن أي تصعيد مع إيران قد يؤثر على الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي ، في النهاية، الحكم على ما إذا كانت السياسة “حكمة أو ضعف يرتبط بنتائجها ، (اذا حافظت على الأمن ومنعت التصعيد تُعد ناجحة، أما إذا أدت إلى مزيد من الضغوط فقد يراها البعض غير فعالة).





























