بقلم: هاتف الثلج
في الأزمنة التي تتكاثر فيها الأقنعة أكثر من الوجوه، ويصبح الصراخ أعلى من الحقيقة، يندر أن يلتقي المرء برجلٍ استطاع أن يحمل إرث القبيلة على كتفيه دون أن يحوله إلى سوطٍ يجلد به الآخرين، وأن يحمل وجع الوطن في قلبه دون أن يساوم عليه في سوق المصالح. ومن هؤلاء الرجال يبرز اسم الشيخ زكي السعد، ذلك الرجل الذي لم يكن أحد أسماء الشيوخ البارزين لعشيرته فحسب، بل كان شاهدًا على مرحلةٍ من أكثر مراحل العراق وجعًا واضطرابًا، فاختار أن يقف حيث يقف الشرفاء؛ مع الإنسان، ومع الوطن، ومع القيم التي لا تتبدل بتبدل الحكومات ولا تنحني أمام العواصف.وحين نتحدث عن عشيرة البو فهد الضياغم، فإننا لا نتحدث عن اسمٍ عابر في سجل القبائل العربية، بل عن امتدادٍ لجذورٍ ضاربةٍ في عمق الصحراء العربية، جذورٍ تشربت معاني الكرم والفروسية والنجدة والوفاء قبل أن تعرف المدن أسوارها وقصورها. تلك العشيرة التي ارتبط اسمها بالشهامة والمروءة، والتي حمل رجالها إرث آبائهم وأجدادهم جيلاً بعد جيل، فبقيت راية النخوة مرفوعة في مجالسها، وبقيت أبوابها مفتوحة للضيف والعابر والمحتاج، شأن القبائل العربية الأصيلة التي كانت ترى في الكرم دينًا لا عادة، وفي النجدة واجبًا لا منّة.وفي مدينة الرمادي، حيث تتجاور الحكايات مع الرمال، وتتشابك الذاكرة مع النهر، كانت البو فهد جزءًا من المشهد الاجتماعي والوطني للأنبار، تشارك الناس أفراحهم وأحزانهم، وتدافع عن أرضها وقيمها في مختلف المحطات التي مر بها العراق. ولم يكن حضورها حضور عددٍ أو نفوذٍ فحسب، بل حضور قيمٍ ومبادئ وأخلاق صنعت مكانتها في قلوب الناس قبل أن تصنعها في دفاتر الأنساب.لكن الحياة، ذلك المعلم القاسي، لا تكتفي أحيانًا بأن تمتحن الرجال في المال أو الجاه، بل تختبرهم في أغلى ما يملكون. وهنا تبدأ المأساة التي تكشف معادن البشر الحقيقية. فقد كان الشهيد سيف، نجل الشيخ زكي السعد، مشروع حياةٍ وأملٍ ومستقبل. شابٌ سار في طريق العلم حتى تخرج من كلية الطب، يحمل بين يديه رسالة إنسانية نبيلة، ويحمل في قلبه أحلام أسرته وعشيرته ووطنه. كان على أعتاب أن يبدأ رحلة علاج الناس وتخفيف آلامهم، فإذا بأيدٍ آثمة تختطف الحلم قبل أن يكتمل، وتغتال النور قبل أن يشرق.خمسة من اللصوص، كان أحدهم ممن عرفوا طريق البيت وأكلوا من خير أهله، اختطفوا الشاب الطبيب، ثم قتلوه بدمٍ بارد طمعًا بسيارةٍ زائلة ومتاعٍ فانٍ. وهنا تتجلى أكثر صور الانحدار الإنساني قسوة؛ حين يصبح المال أرخص من الدم، وحين تتحول الخيانة إلى سكينٍ تُغرس في ظهر الثقة. لم يقتلوا سيفًا وحده، بل حاولوا قتل المعنى الذي يمثله؛ معنى العلم، ومعنى الأمل، ومعنى المستقبل.
غير أن المآسي الكبرى تصنع الرجال الكبار. فبينما كان الحزن قادرًا على أن يدفع أي أبٍ إلى الانتقام الأعمى، وقف الشيخ زكي السعد موقفًا يليق بأهل الحكمة والعقل والشرف. لم يسمح للمأساة أن تتحول إلى وقودٍ للطائفية، ولم يجعل دم ابنه جسرًا لعبور الكراهية بين أبناء الوطن الواحد. أدرك أن الجريمة جريمة أفراد لا جريمة طوائف، وأن المجرم يفقد انتماءه الأخلاقي قبل أي انتماء آخر، وأن الوطن المنهك لا يحتمل مزيدًا من الشقوق في جداره المتعب.لقد كان موقفه درسًا في الوطنية قبل أن يكون موقفًا عشائريًا. ففي الوقت الذي سقط فيه كثيرون في فخ الخطابات الممزقة للنسيج العراقي، بقي الرجل متمسكًا بفكرة العراق الواحد، العراق الذي لا يُقاس بمذاهبه وقومياته بل بإنسانيته المشتركة. ولذلك استحق احترام خصومه قبل محبيه، لأن الرجال يُعرفون في ساعات المحنة لا في أوقات الرخاء.كما عُرف عنه رفضه للاحتلال وتمسكه بسيادة العراق وكرامته الوطنية، إذ كان يرى أن الأوطان لا تُبنى بالإملاءات الخارجية ولا تُصان بالارتهان للآخرين، بل بإرادة أبنائها ووحدتهم. وكان يدرك أن الاحتلال، أيًا كان شكله أو شعاره، يترك في جسد الأمم جراحًا طويلة لا تندمل بسهولة، وأن حماية الوطن تبدأ بحماية هويته وكرامته واستقلال قراره.ولعل أعظم ما يميز الرجال من طراز الشيخ زكي السعد أنهم لا يجعلون من أحزانهم سجونًا لأنفسهم، بل يحولونها إلى مناراتٍ للآخرين. فالمصاب الذي كسر قلب الأب لم يكسر قيمه، والوجع الذي هز روحه لم يهز ثوابته. بقي وفيًا لمبادئه، وبقيت عشيرته سندًا له كما كانت دائمًا سندًا لأبنائها، فظهرت البو فهد في تلك المحنة كما تظهر القبائل الأصيلة عند الشدائد؛ متماسكةً، متعقلةً، محافظةً على كرامتها وهيبتها دون أن تنجر إلى الفوضى أو الظلم.إن القبائل العظيمة لا تُقاس بعدد بيوتها ولا بسعة أراضيها، بل بعدد القيم التي تحرسها في زمن الانهيارات. والبو فهد الضياغم واحدة من تلك العشائر التي حافظت على صورتها العربية الأصيلة، فبقي الكرم فيها خلقًا، والشجاعة فيها سلوكًا، والوفاء فيها عهدًا، والنخوة فيها ميراثًا متوارثًا لا تذروه الرياح.ويبقى الشهيد سيف السعد رمزًا لحلمٍ اغتيل قبل أوانه، ويبقى والده الشيخ زكي السعد شاهدًا على أن الرجال الكبار يستطيعون أن يحولوا جراحهم إلى مواقف، وأن يحولوا المأساة إلى درسٍ في الصبر والحكمة والوطنية. أما عشيرة البو فهد الضياغم، فستظل صفحةً من صفحات العروبة العراقية الأصيلة، تُكتب فيها الحكايات بالحبر حينًا، وبالتضحيات حينًا آخر، لكنها تُكتب دائمًا بكرامة الرجال.



























