بقلم: الدكتور هاشم الحمامي
منذ عام 2003، ومع احتلال العراق وسقوط النظام، دخل العراق في مرحلة جديدة من التبعية السياسية، حيث استغلت إيران حالة الفراغ الأمني والسياسي لبسط نفوذها على الدولة العراقية. من خلال دعمها للأحزاب السياسية والمليشيات المسلحة، ونجحت طهران في جعل الحكومة العراقية مجرد أداة لتنفيذ أجندتها الإقليمية، مما أدى إلى فقدان العراق لسيادته الوطنية. اليوم، لا تمتلك بغداد قرارها المستقل، سواء في السياسة الداخلية أو الخارجية، حيث تخضع إرادتها لإملاءات المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، عبر وكلائه المنتشرين في مختلف مؤسسات الدولة.
ومنذ سنوات، يعاني العراق من فساد مستشرٍ تدعمه شبكات سياسية مرتبطة بطهران، حيث يُستنزف اقتصاده لصالح المشروع الإيراني. الموازنات الضخمة التي يفترض أن تنعش الاقتصاد العراقي يتم نهبها عبر عقود وهمية وصفقات فساد ترعاها شخصيات موالية لإيران. كما أن بغداد تحولت إلى شريان اقتصادي حيوي لطهران، إذ تستفيد الأخيرة من السوق العراقية لتعويض خسائرها الناتجة عن العقوبات الأمريكية.
وتُهرَّب مليارات الدولارات سنويًا من العراق إلى إيران عبر عمليات غسل الأموال والفساد في القطاع المصرفي، فضلاً عن هيمنة إيران على قطاعات حيوية مثل الكهرباء والطاقة والتجارة. وبذلك، بات العراق بمثابة “الرئتين” اللتين تتنفس منهما إيران، مما جعله رهينة للمصالح الإيرانية، وعاجزًا عن التصرف وفق مصالحه الوطنية.
وفي السنوات الأخيرة، ازدادت الضغوط الأمريكية على بغداد لفك ارتباطها بإيران، خصوصًا فيما يتعلق بمنع تهريب الدولار إلى طهران ونزع سلاح المليشيات المدعومة إيرانيًا. غير أن الحكومة العراقية تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه، إذ إنها عاجزة عن اتخاذ أي خطوة من شأنها إغضاب طهران، بسبب الهيمنة المطلقة التي تفرضها إيران عبر ميليشياتها و وكلائها في السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية.
وعلى الجانب الآخر، تواجه بغداد تهديدات أمريكية بفرض عقوبات اقتصادية قاسية في حال استمرار تعاملاتها المالية مع إيران، إضافة إلى خطر الضربات الجوية الإسرائيلية التي تستهدف قادة الفصائل المسلحة التابعة لإيران داخل الأراضي العراقية. وبين مطرقة العقوبات الأمريكية وسندان النفوذ الإيراني، يقف العراق أمام سيناريوهات خطيرة قد تجرّه إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
الحكومة العراقية الحالية تعيش في مأزق تاريخي بسبب ارتهانها الكامل لإيران. فهي عاجزة عن اتخاذ أي موقف جاد يحمي سيادة العراق أو يمنعه من أن يكون ساحة صراع مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران. ومع تصاعد الضغوط الدولية، يتزايد احتمال تعرض العراق لعقوبات اقتصادية أمريكية أو حتى عمليات عسكرية إسرائيلية تستهدف النفوذ الإيراني داخله. ويبقى السؤال: هل تملك حكومة بغداد الحالية القدرة على استعادة سيادتها، أم أنها ستظل رهينة لطهران حتى يتم استبدالها؟

























