بقلم: ا.د هاشم الحمامي
على أرض العراق، حيث تتقاطع المشاريع الداخلية بالإملاءات الخارجية، يتجدد الجدل حول الدور المستقبلي لهيئة الحشد الشعبي. ففيما تعتبره بعض القوى السياسية الشيعية ركيزة لضمان النفوذ واستمرار الهيمنة، ترى فيه أطراف أخرى عاملاً مهدداً لوحدة الدولة ومبادئها الديمقراطية. هذا الاصطفاف الصريح خلف مؤسسة ذات طابع عسكري يُثير تساؤلات مشروعة حول التوازن بين الشرعية الانتخابية والشرعية المفروضة بقوة السلاح، في مشهد لم يخلُ يومًا من التوترات والانقسامات.
لقد تأسس الحشد الشعبي بدعم مباشر من إيران، كنسخة عراقية للحرس الثوري، وجرى تسويقه في البداية كضرورة لمواجهة الإرهاب، لكنه بمرور الوقت تحوّل إلى قوة ذات طابع سياسي–عسكري، تتجاوز في تأثيرها مؤسسات الدولة الرسمية، وتعيد تشكيل معادلة الحكم على أساس الولاء والاصطفاف لا على أسس الكفاءة أو المشروعية الشعبية.
تناقض السلطة والديمقراطية
إن النظر إلى الحشد الشعبي كضمانة لاستمرار الحكم الشيعي، يتنافى مع المبادئ الأساسية للنظام الديمقراطي. فإذا كانت هذه القوى تمثل فعلًا “الأغلبية”، فإن بقاءها في السلطة يجب أن يستند إلى آليات الاقتراع الحر، لا إلى منطق السلاح أو التلويح بالقوة. إن التمترس خلف مؤسسات غير دستورية لفرض الإرادة السياسية يُفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها، ويُضعف الثقة بالمسار الانتخابي بوصفه السبيل الوحيد لتداول السلطة
الديمقراطية، بطبيعتها، لا تقوم على أسس مذهبية أو دينية، بل تستند إلى الإرادة العامة والاختيار الشعبي الحر. أما تحويل “الأغلبية الطائفية” إلى مبرر لاحتكار القرار، فليس إلا وصفة لصراعات داخلية تُهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتعيد إنتاج العنف كأداة لتسوية الخلافات، وهو ما عانى منه العراق طيلة العقدين الماضيين.
أزمة الشرعية والانتماء
منذ عام 2003، تسلّمت الطبقة السياسية الحالية السلطة بتحالفات مشبوهة مع قوى دولية وإقليمية، بعضها يصنفه العراقيون كخصم تاريخي لمصالحهم الوطنية. هذا التاريخ الملتبس يُلقي بظلاله على شرعية هذه النخب، التي غالباً ما تُتهم بأنها تابعة، وأنها تُقدّم المصالح الخارجية على حساب السيادة الوطنية.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الحشد الشعبي من قِبل الكثيرين على أنه أداة لتكريس هذه المعادلة المختلّة؛ فهو يوفّر غطاءً مسلحاً للفئة الحاكمة، ويُستخدم أحياناً في الضغط السياسي والتفاوضي، بل وحتى في إدارة المشهد الانتخابي لصالح قوى بعينها، بما يتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص السياسية.
تداعيات استمرار المعادلة الحالية
إن الإصرار على بقاء الحشد الشعبي بوضعه الحالي، وبصفته قوة موازية للمؤسسة العسكرية الرسمية، قد يدفع شركاء العملية السياسية – لا سيما الكرد والسنة – إلى إعادة النظر في مشروع الدولة الاتحادية. إذ إن الإحساس بالإقصاء أو التهديد، يولّد في المقابل نزعات انفصالية أو طروحات لإعادة صياغة العلاقة بين المركز والأطراف، بما يُنذر بتفكك البنية الوطنية.
فضلاً عن ذلك، فإن توغل النفوذ الإيراني عبر بعض فصائل الحشد قد يدفع قوى دولية وإقليمية أخرى إلى التدخل في الشأن العراقي، إما عبر دعم قوى مسلحة موازية، أو عبر أدوات اقتصادية وإعلامية وسياسية لموازنة النفوذ. وعندها، يصبح العراق ساحة لصراع الوكلاء، لا دولة ذات سيادة مستقلة.
الحشد بين المظلومية والتسلّط
لطالما رفعت القوى الشيعية شعار “المظلومية” كشكل من أشكال التعبئة السياسية في وجه الإقصاء، لكن المبالغة في استخدام هذا الخطاب، وتحويله إلى مبرر للهيمنة، يُفقده مشروعيته التاريخية. فحين تنتقل “الضحية” إلى موقع “الجلاد”، وتُقصي شركاء الوطن تحت ذرائع الأغلبية أو الانتصار التاريخي، فإنها تعيد إنتاج نفس المظلومية التي كانت ترفضها.
ومن المفارقات أن بعض فصائل الحشد باتت تُتهم اليوم بتحويل البندقية إلى أداة للاستثمار، وتوظيف النفوذ للحصول على امتيازات مالية وتجارية غير مشروعة. هذا الواقع يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب، ويقوض أي محاولة لبناء دولة القانون والمؤسسات.
السيادة المختطفة والفساد المتجذر
إن ولاء بعض قادة الحشد لمرجعيات خارج الحدود، لا سيما في طهران، يعيد تعريف مفهوم السيادة العراقية، ويجعل القرار الوطني مرتهناً بإرادات إقليمية. العراق، في هذه الحالة، يتحول إلى ساحة خلفية لتصفية الحسابات الإقليمية، بدلًا من أن يكون دولة فاعلة ومتوازنة في محيطها العربي والإسلامي.
وما يزيد الأمر سوءاً هو تمدد الحشد إلى المجال الاقتصادي والإداري، حيث تشير تقارير عديدة إلى ضلوع بعض أجنحته في صفقات فساد كبرى، ونهب ثروات الدولة، وممارسة ضغوط على المستثمرين والجهات الرسمية، بما يهدد بيئة الأعمال ويُعطّل التنمية.
خاتمة: الدولة أولاً… أم الجماعة؟
العراق اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن يُحسم موقع الحشد الشعبي بوضوح ضمن مؤسسات الدولة وتحت سلطتها الحصرية، أو يستمر في موقعه كقوة فوق الدولة، بما يعني بقاء التهديد قائماً لوحدتها واستقرارها. إن منطق السلاح، مهما تلبّس بلبوس الشرعية، لا يصنع دولة، ولا يبني وطناً.
المطلوب ليس تفكيك الحشد، بل تفكيك معادلة ازدواجية القرار واحتكار السلطة، وإعادة الاعتبار لمبدأ المواطنة والمساواة. فالعراق لن ينهض إلا بدولة قوية، تمتلك قرارها، وتضمن حقوق جميع مكوناتها دون تمييز أو تفرّد.




























