بقلم: الأستاذ الدكتور هاشم الحمامي
حين تُضاء نهاية النفق بمصابيح المكر السياسي، وتُفرش أرضيته بوعود كاذبة محشوة بالتهدئة والدبلوماسية، فإن على طهران أن لاتفرح كثيراً وهي تسارع بخطاها نحو حتفها.
التي تدور اليوم بين إيران والولايات المتحدة، ليست كما تبدو على السطح محاولة لفتح باب الانفراج، بل أشبه بكمين محكم الإغلاق، يُسحب النظام الإيراني إليه خطوةً بخطوة، لتبدأ عملية نزع أنيابه دون ضجيج، ولا طلقة واحدة.
فقد عادت الولايات المتحدة إلى قبضة اليمين المتشدد بقيادة الرئيس دونالد ترامب، الذي أحاط نفسه بفريق لا يؤمن بأنصاف الحلول مع إيران، فيما يتزعم بنيامين نتنياهو حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة تُمسك بزمام المبادرة الأمنية والعسكرية في المنطقة. هذا المناخ الدولي المعبأ بالقوة والقرار، يجعل من أي مفاوضات مع طهران اختباراً لمدى قدرتها على البقاء في خارطة السياسة الإقليمية.
إغراء الدخول إلى الفخ:
الإغراءات الأمريكية والصبر الإسرائيلي تأتي مُغلّفة بوعود تخفيف العقوبات وتطبيع العلاقات، لكنها في جوهرها أداة لجرّ إيران إلى ساحة الاعتراف الكامل بتفاصيل برنامجها النووي. وبمجرد دخولها قاعة المفاوضات، تبدأ خيوط اللعبة بالتكشف: الكشف الكامل عن المفاعلات، التخصيب، سلاسل الإمداد، وعقود التعاون. حينها لا عودة إلى الوراء.
أذرع تتساقط بصمت:
في توقيت مريب، وبينما تنشغل طهران برفع أوراقها على طاولة المفاوضات، تُقصقَص أذرعها الإقليمية واحدة تلو الأخرى. الحوثيون في اليمن يتلقون ضربات مُركزة، حزب الله في لبنان ينزف من الضربات الإسرائيلية، والميليشيات العراقية تتعرض إلى تفكيك ناعم ومتدرج. إنها حرب الاستنزاف الناعمة، تُدار من غرف استخبارات محكمة، تحت غطاء الدبلوماسية.
عودة لجان التفتيش… بنسخة عراقية:
وكما كانت فرق التفتيش في العراق قبل الغزو الأمريكي، تتحرك اليوم بوادر تشكيل لجان تفتيش جديدة، لكن هذه المرة بأدوات أكثر تطوراً وبحججٍ أقوى: منع الانتشار النووي، حماية أمن إسرائيل، واستقرار الشرق الأوسط. كل طلباتهم قابلة للتوسع، وكل زيارة تفتيشية تُعمّق الجرح وتُحاصر القرار الإيراني.
مرحلة الصواريخ: نهاية اللعب بالنار:
وحين تنتهي فصول البرنامج النووي، سيوضع الملف الصاروخي على الطاولة، وهو ما يُمثّل ذروة الإذلال الإستراتيجي لطهران. فكل مدى يتجاوز مئات الكيلومترات سيتم تقييده، وكل صاروخ قادر على بلوغ إسرائيل سيُجرد من شرعيته، بحجة أن إيران تمثل تهديداً وجودياً للدولة العبرية.
البديل العسكري حاضر:
وفي حال فكرت إيران بالانسحاب من اللعبة أو التمرد على شروطها، فإن ضربة جوية إسرائيلية – مدعومة أمريكياً – ستكون جاهزة على الأرجح، تماماً كما حدث سابقاً في العراق وسوريا. الاستعدادات العسكرية قائمة، والخطط مرسومة، وما ينقصها سوى الذريعة المناسبة.
إيران: تهديد دائم في ذاكرة المنطقة:
منذ حربها مع العراق في الثمانينات، مروراً بتسليحها للميليشيات في لبنان وسوريا وفلسطين واليمن، ووصولاً إلى صواريخها العابرة للحدود نحو إسرائيل، صنعت إيران سجلاً مشحوناً بالصراع والاضطراب. سجلٌ حاضر في ذاكرة الولايات المتحدة، وفي أروقة القرار الأوروبي، وفي وجدان أنظمة المنطقة التي لم تنسَ بعد محاولات طهران لزعزعة أمنها.
الداخل الإيراني يغلي: الساحة مهيّأة للانفجار:
وفي الوقت الذي تضيق فيه حلقات الحصار الخارجي، لا يبدو الداخل الإيراني أكثر استقراراً. فالأوضاع الاقتصادية المتردية، والعقوبات الأمريكية المتواصلة، وانهيار العملة، وارتفاع معدلات البطالة، كلّها أشعلت فتيل الغضب الشعبي. الشارع الإيراني يغلي، والاحتجاجات وإن خفت صوتها في الإعلام، إلا أنها تتكرر تحت السطح كبركان على وشك الانفجار. النظام الإيراني بات يُدرك أن أي هزة جديدة، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية، قد تطيح بما تبقى من شرعيته. والمفارقة أن الشارع الذي لطالما استُخدم كشعار بيد النظام، قد يتحوّل قريباً إلى معولٍ يهدم قواعده.
خاتمة: النهاية تقترب:
النظام الإيراني، الذي كان يوماً ما لاعباً طموحاً في الإقليم، بات اليوم أقرب إلى ورقة محترقة في يد الزمن. فلم يعد أحد في الشرق الأوسط أو الغرب يرى فيه ركيزة للاستقرار. ومع دخول المفاوضات الحالية منحنى ضيقاً، يلوح في الأفق نفقٌ بلا ضوء، قد يُنهي أحلام إيران النووية، ويُعيد تشكيل خريطتها الإستراتيجية إلى الأبد.
























