بقلم: الدكتور هاشم الحمامي
تجد الحكومة العراقية نفسها اليوم في موقف حرج، حيث تواجه خيارين صعبين: إما الاستمرار في علاقتها الوثيقة مع إيران، بكل ما تحمله من تبعات سياسية واقتصادية وأمنية، أو الاستجابة لمطالب الولايات المتحدة بفك الارتباط مع طهران، مع التهديد باستخدام القوة العسكرية لفرض هذه المطالب. وبين هذين الخيارين، تسعى بغداد للحفاظ على توازنها في بيئة إقليمية متوترة.
الولايات المتحدة والشرق الأوسط الجديد
منذ تولي دونالد ترامب الرئاسة، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط، بهدف تحقيق الاستقرار وجذب الاستثمارات العالمية، مما يجعل المنطقة مركزاً تجارياً يربط الشرق بالغرب. ومع ذلك، يشكل النفوذ الإيراني، المدعوم بشبكة من الميليشيات والأحزاب المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، عقبة رئيسية أمام تحقيق هذا الهدف.
تداعيات حرب أكتوبر 2023
في السابع من أكتوبر 2023، اندلعت حرب واسعة بين إسرائيل وحلفائها الغربيين من جهة، والمحور الإيراني من جهة أخرى، مما أدى إلى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وتحييد حزب الله في لبنان، وإضعاف الحوثيين في اليمن. وفي العراق، أوقفت الميليشيات المدعومة من إيران هجماتها ضد إسرائيل خوفاً من ردود فعل أمريكية قاسية، إلا أن ذلك لم يمنع واشنطن من الضغط على بغداد لاتخاذ إجراءات حاسمة لحل هذه الفصائل.
ترامب وخامنئي: التفاوض أو المواجهة
مع تصاعد التوترات، وجه ترامب رسالة مباشرة إلى المرشد الإيراني علي خامنئي، طالباً منه الدخول في مفاوضات أو مواجهة الخيار الأصعب. إلا أن إيران اختارت أسلوب المراوغة، وحرّكت ما تبقى من أذرعها في سوريا ولبنان واليمن في محاولة لخلق أوراق تفاوض جديدة. غير أن هذه التحركات جوبهت بردود فعل حازمة، سواء من الحكومات الإقليمية الجديدة أو من القوى الدولية، ما دفع واشنطن إلى اتخاذ قرار نهائي بإنهاء نفوذ الحوثيين في اليمن باستخدام القوة العسكرية.
رسائل واشنطن الحازمة
في تصعيد لافت، أطلقت الولايات المتحدة ضربات جوية واسعة النطاق ضد أهداف حوثية في اليمن، مما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات. وأكد ترامب أن أي هجوم مستقبلي من قبل الحوثيين سيُعتبر هجوماً من قبل إيران وسيُقابل برد قاسٍ، مشيراً إلى أن الردود القادمة قد تكون كارثية على إيران.
من جانبه، صرح مايك والتز، مستشار الأمن القومي، بأن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة فيما يتعلق بإيران، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية، مشدداً على ضرورة أن تأخذ طهران هذا التحذير على محمل الجد.
العراق.. بين المطرقة والسندان
في خضم هذا المشهد المتأزم، تتابع الحكومة العراقية التطورات بقلق بالغ، إذ تدرك أن امتداد الحرب إلى العراق قد يكون مسألة وقت لا أكثر. فالميليشيات العراقية، التي تأسست وتدربت بتمويل ودعم إيراني، بدأت تحركات مشبوهة فُسرت على أنها مقدمة لدخولها في الحرب إلى جانب المحور الإيراني.
وقد تلقى رئيس الحكومة العراقية اتصالات مباشرة من مسؤولين أمريكيين، طالبوه خلالها بحل هذه الميليشيات وقطع التمويل عنها، محذرين من أن أي هجوم على المصالح الأمريكية في العراق أو المنطقة سيواجه برد فعل عنيف قد يصل إلى حد التدخل العسكري المباشر. في المقابل، تطالب إيران الحكومة العراقية بعدم الانصياع للضغوط الأمريكية، والاستمرار في دعم الفصائل المسلحة كجزء من استراتيجيتها الإقليمية.
سيناريوهات المستقبل وخيارات الحكومة العراقية
مع اشتداد الضغوط الأمريكية على العراق لفك ارتباطه بإيران، واستمرار الأخيرة في تعزيز نفوذها عبر الفصائل المسلحة، تجد الحكومة العراقية نفسها أمام خيارات صعبة، تتراوح بين:
1. الاستجابة للمطالب الأمريكية
قد تقرر بغداد البدء بخطوات تدريجية نحو تقليص نفوذ الميليشيات، مقابل ضمانات أمنية واقتصادية من واشنطن. لكن هذا الخيار قد يثير ردود فعل عنيفة داخل العراق، خاصة من الفصائل المسلحة والأحزاب القريبة من إيران.
2. مواصلة سياسة التوازن
قد تحاول الحكومة العراقية الاستمرار في سياسة “اللعب على الحبلين“، عبر تقديم تنازلات محدودة لكل طرف، لكنها بذلك تخاطر بفقدان الثقة من الجانبين، مما قد يؤدي إلى زعزعة استقرارها السياسي.
3. الانحياز إلى إيران
إذا قررت بغداد الوقوف إلى جانب طهران، فقد تواجه عقوبات أمريكية قاسية، وربما عمليات عسكرية تستهدف الميليشيات داخل العراق، مما قد يعيد سيناريو المواجهة المفتوحة بين الطرفين، ولكن النتائج ستكون حاسمة هذه المرة.
الخلاصة
يبدو أن الحكومة العراقية الحالية تواجه معضلة وجودية، لكنها لا تملك الأدوات اللازمة لإدارة هذا الصراع بين واشنطن وطهران. فبنيتها السياسية تعتمد بشكل أساسي على الفصائل المسلحة والأحزاب التابعة لإيران، مما يجعل من الصعب عليها اتخاذ قرارات حاسمة قد تؤدي إلى فك الارتباط بطهران أو حتى تقليص نفوذها. وبالتالي، فإن احتمالية الحفاظ على التوازن بين المطالب الأمريكية ورغبة إيران في استمرار هيمنتها على القرار العراقي تبدو ضئيلة للغاية.
في ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة، يواجه العراق خطر العقوبات الاقتصادية وربما التدخل العسكري المباشر إذا استمرت الفصائل المسلحة في تحدي المصالح الأمريكية. ومن جهة أخرى، فإن أي خطوة نحو تقليص النفوذ الإيراني ستواجه مقاومة شرسة من الأحزاب والقوى المدعومة من طهران، مما قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية تهدد استقرار البلاد.
المستقبل القريب للعراق يبدو محفوفاً بالمخاطر، حيث قد يجد العراق نفسه عالقاً في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين واشنطن وطهران. ما لم تحدث تغييرات جذرية في المشهد السياسي العراقي، فإن البلاد قد تصبح ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وهو سيناريو قد يعيدها إلى سنوات الفوضى وعدم الاستقرار التي شهدتها بعد 2003.
























