بقلم: ذكرى البياتي
اشتقتُ إليك.
قلمي وكلماتي أصبحا كـ”أموات”، تتلاشى شيئًا فشيئًا. حنيني لكلماتي أصبح كصدى أصوات النداء، بينما يغلفني ضباب الذكرى والشوق إليها. ألقي الاستجداء، فلا جدوى من الرجاء! بالله دلني على نهاية أبدية لحنيني. أين أجد الطريق كي أستفيق؟
أجب عن سؤالي، دلني.
ابتعدتُ عنك…
احتجتُ كثيرًا أن أبقى وحدي حينما خارت قواي وحارت أفكاري، ولكني كنت أخاف الوحدة جدًا، رغم تظاهري بالقوة. كنت أعلم أنها ستجعلني أرى الخراب الذي ألحقته بنفسي.
لو كنتُ أعلم مسبقًا أني سأحتاج إليك، لما أهدرت كل هذا الوقت بالبعد.
لم أعتد التعلق بأي شخص أو بأي شيء يبعدني عنك.
ذاك الشبح القاسي الملامح شلّ يدي في البداية. لم أستطع الهروب. حاولت التهرب، كعادتي، من المواجهة. وجريت بضعفي وحنيني إليك.
أنتَ أول من رسم كلماتي، وبعث في قلبي الاطمئنان.
وإذا بي أجد نفسي مجددًا مع كلماتي.
يا صديقي…
تعددت الأوقات وطالت، ومع تلك الثغرات، تمضي حياتنا رغم كل التأملات، تمضي حاملةً معها كل ما ظننته مات.
ثم فجأة، اعترتني تساؤلات وتساؤلات عن كل ما فات، إلا أنه ما يزال هنا معي.
أتساءل:
قل لي، إلى متى تبقى أحلامي بعيدة، بعد عبورها وحملها بعيدًا عني؟
هل أصبحت ذكريات بعد نسيانها، كما نستني الحياة؟ أم هي تلك النهاية التي أخشاها؟
أهي نهاية حقًا؟ أم بداية حلم جديد أُحاول أن أتفاداها؟
أحيانًا أشعر أنني أركض خلف أطياف الماضي، أطيافٌ لا تُرى ولا تُسمَع، لكنها تهمس في داخلي بصوتٍ يشبه صوتك. أركض بلا وجهة، بلا مقصد، فقط لأبحث عن جزءٍ مفقود من نفسي تركته معك.
أتساءل، كيف يمكن للذكريات أن تكون بهذا الثقل، وكأنها أجنحة مكسورة لا تُحلّق لكنها تمنعني من المشي أيضًا؟
يا صديقي، هل تعلم ما الأصعب من النسيان؟
الأصعب هو أن تتظاهر بالنسيان بينما كل شيء داخلك يصرخ بالبقاء. الأصعب أن ترسم ابتسامةً على وجهك، بينما الحنين ينخر قلبك في كل لحظة.
كنت أهرب منك… ليس لأنني أردت الهرب، بل لأنني لم أكن أعرف كيف أواجه نفسي حين تكون حاضرًا في أفكاري.
والآن، ها أنا أقف هنا أمامك، أمام الكلمات التي تهرب مني، أحاول أن أستعيد ما ضاع مني.
هل تعلم؟
أحيانًا، الحنين ليس لشيءٍ أو لشخص، بل للحالة التي كنا نعيشها.
لأيامٍ كان فيها كل شيء بسيطًا، حيث لم يكن الخوف من الغد يأخذ من متعة الحاضر.
ولكنني أتساءل…
إن كان الماضي قد رحل، فهل أستطيع أن أعيش دون أن أحمله على كتفي؟
أم أنني سأظل ألتفت إليه، أبحث عن جزءٍ من روحي الذي بقي هناك، ضائعًا بين اللحظات؟
أريد أن أؤمن أن كل نهاية تحمل في طياتها بداية. ولكن… كيف أجد البداية في وسط هذا الضباب؟
يا صديقي، قل لي، كيف أُعيد رسم الحلم من جديد؟ كيف أُعيد لقلبي الحياة بعدما فقد البوصلة في بحرٍ من الأوهام؟
ذكرى البياتي



























