بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يتركز الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران حول الشروط المسبقة لتفعيل بنود “مذكرة التفاهم”، حيث تشترط طهران بدء واشنطن برفع الحصار البحري والإفراج عن الأصول المجمدة قبل استئناف المفاوضات التقنية ، بينما تصر الإدارة الأمريكية على أن استمرار سريان الاتفاق وفوائده مرهون بالخطوات الإيرانية لتقييد البرنامج النووي وتبرز نقاط التعقيد والخلاف التي تعرقل التطبيق الكامل للاتفاق في الآتي:
- التحكم في مضيق هرمز وإدارته: تصر إيران على احتفاظها بدور سيادي في إدارة المضيق بالشراكة الإقليمية (مثل سلطنة عُمان) مع نيتها فرض رسوم ملاحية جديدة، وهو ما تتحفظ عليه واشنطن والمجتمع الدولي.
- الملف النووي (اليورانيوم: تطالب واشنطن بتفكيك أو إزالة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، في حين تعتبر طهران أنشطتها النووية حقاً سيادياً وتفضل تأجيل الخوض في تفاصيل التفكيك للمرحلة الثانية من المحادثات.
- الأموال المجمدة: توجد خلافات حول ضمانات الإفراج عن الأصول الإيرانية البالغة نحو 24 مليار دولار، فيما تتجنب واشنطن تأكيد تقديم تمويل جديد أو مباشر لطهران خارج إطار امتثالها للاتفاق.
- الضمانات الأمنية الإقليمية: تتباين الرؤى حول تطبيق بنود إنهاء العمليات العسكرية على “جميع الجبهات”، حيث تشترط إيران انسحاباً إسرائيلياً فعلياً، وهو ما لا يزال محل نزاع وتصعيد مستمر في الميدان.
بسبب هذه الهوة في الأولويات والتطبيق المتبادل، أرجأ الطرفان الجولة الرسمية من المحادثات التقنية التي كان من المقرر عقدها في مدينة جنيف بسويسرا، لربط أي خطوات مستقبلية بتنفيذ مبدئي لالتزامات الطرف الآخر.
العقبات القانونية التي تواجه ترامب
- وقع ترامب مذكرة التفاهم مع إيران في فرساي يوم 17 يونيو /حزيران 2026 ، تشمل إنشاء صندوقا بـ300 مليار دولار وإعادة إعمار ورفع شامل للعقوبات على ايران ، لكن هذا التوقيع يمثل بداية مسار قانوني داخلي معقد لا نهايته فالسلطة التنفيذية الأمريكية لا تملك الكلمة الفصل وحدها في الملفات النووية الإيرانية.
2. العقبة الأولى تعود إلى “قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني” المعروف بـ((INARA الصادر عام 2015 والذي صاغه الكونغرس أصلا لتقييد أوباما خلال مفاوضات فيينا ويفرض على أي رئيس إحالة أي اتفاق نووي خلال 5 أيام وتجميد العقوبات لمدة 30 يوما لمراجعة الكونغرس والمثول كل 90 يوما لتأكيد التزام إيران.
3. اتساع نطاق هذا القانون يجعله فخا محتملا إذ لا يقتصر على المعاهدات الرسمية بل يشمل أي اتفاق نووي أيا كانت صيغته، وهذا يعني أن وصف الإدارة لمذكرة فرساي بأنها مجرد نص تمهيدي قد لاحصانة له من رقابة الكونغرس إذا قرر تحالف الصقور من كلا الحزبين تفعيل الآلية.
4. إذا أخضع الكونغرس الاتفاق لإجراءات (INARA ) ورفضه تصبح كل وعود رفع العقوبات ، بما فيها النفطية الفورية غير قانونية تقنيا رغم امتلاك ترامب حق الفيتو في حال استخدامه ضد حزبه قبيل انتخابات قد يحمله أعباء سياسية باهظة.
5. العقبة الثانية أكثر إحكاما وأقل شهرة وتعود إلى بند فرعي أدرج في حزمة مساعدات أوكرانيا وإسرائيل في أبريل / نيسان 2024 الذي بموجنه يلزم وزارة الخارجية بالإخطار كل 180 يوما في حال أقدم الحرس الثوري الإيراني القيام بهجمات ضد المصالح الأمريكية.
6. يذكر أن إدارة ترامب نفسها قد صادقت على هذا التحديد في أبريل /نيسان 2025 بعد هجمات مسيرات استهدفت القوات الأمريكية التي ترتب عليها اجراءات قانونية تلقائية تتعلق بحظر رفع الحرس الثوري من قائمة الإرهاب لمدة 4 سنوات أي حتى أبريل /نيسان 2029 بعد انتهاء ولايته الحالية بالكامل.
7. الحرس الثوري ليس فاعلا هامشيا بل يهيمن على شبكة اقتصادية واسعة تشمل الطاقة والموانئ والصناعات، فأي رفع عقوبات يستثنيه سيبقى محدود الأثر على الاقتصاد الإيراني ككل بينما رفع شامل يصطدم بحظر تشريعي لا يملك الرئيس وحده صلاحية تجاوزه.
8. قد يلجأ ترامب الى تقديم طلباً الى الكونغرس لتعديل هذا التشريعي لرفع هذا الحظر ، لكن هذا يعني إقناع صقور الجمهوريين الذين وضعوا القيد عمدا قبل عامين في لحظة لم يتوقعوا فيها أن رئيسا من حزبهم سيحتاج لتجاوزه.
9. وفي حال خسر الجمهوريون الأغلبية في أحد المجلسين أو كليهما خلال انتخابات التجديد النصفي ستزداد هاتان العقبتان صعوبة بشكل ملموس، يفقد إدارة ترامب القدرة على تمرير أي تعديل تشريعي لرفع الحظر عن الحرس الثوري، وستتحول آلية مراجعة (INARA ) إلى أداة معارضة سياسية مباشرة بيد الديمقراطيين ، اكثر من كونه مجرد خلاف داخلي بين أجنحة الحزب الجمهوري.
تبعات خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية
خسارة الجمهوريين للأغلبية في الانتخابات النصفية لعام 2026 لصالح الديمقراطيين ستضع “مذكرة التفاهم” الحالية مع إيران في مأزق سياسي وتشريعي معقد ، تمكن خصوم الرئيس ترامب من تفعيل أدوات الرقابة الصارمة، ما يهدد استمرارية التفاهمات، حيث سيستغل الديمقراطيون سيطرتهم على مجالس الكونغرس للتصويت الفوري على “قرار عدم الموافقة” على الاتفاقية ، الأمر الذي قد يدفع ترامب باستخدام “الفيتو الرئاسي” لحماية الاتفاقية وفي حال عجز الديمقراطيين في حشد أغلبية الثلثين لكسر الفيتو، فيما تبقى بيضة القبان بيد “صقور الدفاع” من الجمهوريين (الرافضين أصلاً للتنازلات لِطهران) قد يوفر الأصوات اللازمة لشل الاتفاق نهائياً ، فيما يبقى سلاح الميزانية بقبضة مجلس النواب ذو الأغلبية الديمقراطية يمكنهم من تشريع قوانين تمنع الإدارة التنفيذية من نقل أي أصول مجمدة لإيران (مثل صندوق إعادة الإعمار بقيمة 300 مليار، يضاف الى ذلك اصطدام ترامب بعقبة الكونغرس الجديد الذي قد يلغي القوانين التشريعية الخاصة بالعقوبات، ما يحصره في زاوية “الإعفاءات المؤقتة” فقط، وهو ما يفرغ الاتفاق من ميزاته الدائمة لطهران.
طوق النجاة
يمتلك الرئيس الأمريكي بعض الهوامش والمناورات القانونية والسياسية للالتفاف على قيود الكونغرس الصارمة، يمكن لادارته ادعاء أن النص الحالي ليس “اتفاقاً نووياً جديداً أو معدلاً”، بل هو مجرد “مذكرة تفاهم مؤقتة” أو “خطة عمل مشتركة غير ملزمة قانوناً” واستخدامه الصلاحيات الرئاسية الخالصة للتأجيل ، خصوصاً ان القانون الفدرالي يمنح الرئيس سلطة إصدار “إعفاءات لأسباب تتعلق بالأمن القومي” لتعليق بعض العقوبات لفترات محددة (تتراوح بين 120 إلى 180 يوماً) حيث يستطيع ترامب تكرار تجديد هذه الإعفاءات المؤقتة لتمرير بنود الاتفاق المالية (مثل السماح ببيع كميات محددة من النفط أو الإفراج المجزأ عن الأموال) دون الحاجة لإلغاء العقوبات بشكل دائم عبر الكونغرس وقد يلعب على ورقة تشتت المعارضة في الكونغرس الذين يحتاجون إلى “أغلبية الثلثين” في مجلسي الشيوخ والنواب لكسر الفيتو الرئاسي الخاص به في حال رفضوا الاتفاق ، لذلك، يكمن خياره الواقعي في الحفاظ على كتلة ولاء صلبة داخل حزبه تمنع الخصوم من الوصول لنسبة الثلثين، ما يسمح للاتفاق بالمرور بحكم الأمر الواقع عبر مظلة الفيتو وقد يذهب الى تدويل الاتفاق عبر مجلس الأمن في حال نجحت ادارته في صياغة قرار داخل مجلس الأمن الدولي يتبنى هذا الاتفاق، فإنها تضع الكونغرس في مواجهة أمام القانون الدولي، حيث يصبح رفض الكونغرس بمثابة انتهاك لالتزامات أمريكا الدولية، وهو ضغط سياسي ودبلوماسي كبير، فيما تبقى خيارات خوض مواجهة قانونية مباشرة والطعن في دستورية قانون (INARA) أمام القضاء الفدرالي بمثابة كسر العظم التي قد لايحمد عقباها.


























