بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يشهد المشهد السياسي الحالي حالة من الجدل والنقاش الواسع حول مسودة مذكرة التفاهم واتفاق المبادئ بين الولايات المتحدة وإيران، والذي يصفه البعض بأنه “اتفاق ذليل لحدث كبير” بالنظر إلى تفاصيل التسريبات وتأثيره المحتمل على المنطقة ويتعلق الحدث الكبير بمفاوضات إنهاء الحروب ووضع إطار لمعالجة التوترات في الشرق الأوسط ، غير ان هذا الاتفاق ولد يتيماً من حيث المضمون والافعال ، بدليل التوقيع الالكتروني الذي حصل عن بُعد وهو ما أعطى رسالة واضحة ، انه قابل للخرق في أي لحضة حتى وان حمل قرار الاتفاق بصمة مجلس الامن الدولي وذلك لوجود لاعب مهم يرى نفسه المتضرر الأكبر في هذا الاتفاق الذي أثار غضباً وإجماعاً نادراً على الرفض داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية، حيث وُصف بأنه “فشل إستراتيجي وتخلٍّ أمريكي” انعكس على العلاقة المتينة بين نتنياهو وترامب لاسباب عديدة أبرزها:
- رفض بند وقف إطلاق النار المتبادل: يشترط الاتفاق إنهاء العمليات العسكرية على الجبهات كافة بما فيها لبنان ، حيث تصر إسرائيل (على لسان وزير دفاعها يسرائيل كاتس) على عدم الانسحاب من جنوب لبنان والتمسك بحرية العمل العسكري هناك لحماية أمنها.
- تهديد صمود التفاهم: ترى طهران أن استمرار الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان يعري الاتفاق ويلغيه، ما يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع شروط راعي الاتفاق (واشنطن).
- البرنامج الصاروخي والمسيرات: لم تتطرق مسودة الاتفاق المتداولة إلى ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية أو طائراتها المسيرة.
- شبكة الفصائل الإقليمية: خلا الاتفاق من وضع قيود حقيقية على دعم طهران لحلفائها في المنطقة (مثل حزب الله، وحماس، والحوثيين)، وهو ما تراه تل أبيب تهديداً مباشراً لأمنها الإقليمي.
- تفكيك المشروع النووي: تكتفي التفاهمات بالحفاظ على “الوضع الراهن” وتجميد التخصيب مؤقتاً، بينما كانت إسرائيل تدفع باتجاه التفكيك الكامل للبنية التحتية النووية الإيرانية.
- حجب تفاصيل الاتفاق: رفضت الإدارة الأمريكية طلباً إسرائيلياً للاطلاع على المسودة النهائية قبل توقيعها في سويسرا، ما أشعر القادة الإسرائيليين بالتهميش.
- انتقادات لنتنياهو والأمن القومي: اعتبرت المعارضة الإسرائيلية (مثل نفتالي بينيت ويائير غولان) أن الاتفاق أُبرم “فوق رأس إسرائيل” وضيع المكاسب العسكرية مظهرًا حكومة نتنياهو معزولة وبلا تأثير حقيقي على حليفها الأكبر.
- توبيخ ترامب الصريح: انزعجت واشنطن من التصعيد الإسرائيلي الأخير في (الضاحية الجنوبية)، حيث صرح الرئيس دونالد ترامب علنًا بأن نتنياهو “رجل صعب للغاية”، مطالبًا إياه بالاعتراف بأن الاتفاق حمى المنطقة.
ابرز الالغام في بنود الاتفاق
تكمن أبرز الألغام في بنود الاتفاق الأمريكي الإيراني المبرم في كونه “اتفاقاً مرحلياً على مبادئ عامة” وليس تسوية نهائية ، ما ترك القضايا الجوهرية والأكثر تعقيداً مؤجلة ومفتوحة للتفسيرات المتضاربة التي تتعلق بالنقاط التالية:
- لغم مصير اليورانيوم المخصب والملف النووي: حيث يكتفي الاتفاق بفرض “الوضع الراهن” وتجميد التخصيب مؤقتاً وترحيل معضلة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب والمنشآت إلى مفاوضات الـ 60 يوماً اللاحقة وتتضارب الصياغات بين الطرفين تتعلق بالتفسيرات الحادة؛ حيث تتحدث الورقة الإيرانية عن “ترحيل” المخزون لدولة ثالثة (مثل روسيا أو الصين)، بينما تستخدم الورقة الأمريكية كلمة “تسليم” المفهومة بأنها تسليم مباشر لواشنط، اضافة الى غياب تفاصيل الرقابة الذي يلزم إيران بنظام تفتيش صارم دون تحديد آلياته، مع اشتراط المشرعين الأمريكيين موافقة الكونغرس على أي صيغة نهائية.
- لغم السيادة البحرية في مضيق هرمز: الذي يعني ادارة الممر المائي ، حيث ينص الاتفاق على أن إيران ستنظم حركة الملاحة بالتنسيق مع سلطنة عمان غير ان هذا البند يثير قلقاً دولياً كبيراً من إعطاء طهران مشروعية قانونية لفرض شروطها وبروتوكولاتها الأمنية على خمس إمدادات الطاقة العالمية مستقبلاً.
- لغم الصياغة اللبنانية وغياب الالتزام الإسرائيلي: الالتزام بوقف اطلاق النار على جميع الجبهات ، حيث تضمن الاتفاق ورود اسم لبنان ثلاث مرات في مسودة الاتفاق لضمان وقف العمليات العسكرية ، بينما تبقى الثغرة الميدانية بخلو اسم اسرائيل من التوقيع على الاتفاقية ما دفعها الاعلان عن عدم التزامها بالانسحاب من جنوب لبنان. بالتالي، ما يعني ان أي ضربة إسرائيلية كبرى قادمة قد تعتبرها طهران “نقضاً للتعهدات الأمريكية ولجبهات المقاومة”، الأمر الذي قد يفجر الاتفاق بأكمله ويعيد الجميع للمربع الأول.
- لغم العقوبات والتخفيف المشروط مقابل “السلوك القويم“: الذي يتعلق بانعدام الثقة والضمانات المتبادلة ، حيث تصر إيران على رفع العقوبات النفطية كلياً والإفراج الفوري عن أصولها المجمدة كشرط للمرحلة الثانية، بينما تلوّح واشنطن بإصدار “إعفاءات مؤقتة ومحددة” فقط ، اضافة الى اعلان ترامب علناً أن المذكرة ليست نهائية وإذا لم تلتزم إيران بالسلوك القويم، فسنعود فوراً لإسقاط القنابل فوق رؤوسهم”.
- تجاهل الاتفاق ترسانة الصواريخ وحلفاء المنطقة: لقد خلا الاتفاق تماماً من أي بنود تقيد شبكة الفصائل الحليفة لطهران أو تضع قيوداً على برنامج إيران للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وهو ما يجعل أمن دول المنطقة وإسرائيل في مهب الريح عند أي اهتزاز سياسي.
النتائج والتوقعات
لو اخذنا موضوع الاتفاق من زاوية اخرى تتعلق بالاطراف الرافضة لهذا الاتفاق سواء على مستوى الاجنحة المتشددة في ايران وكذلك الرفض المعلن للاطراف الاسرائيلية الرسمية والحزبية ، نرى ان الملف اللبناني يمثل “بيضة القبان” وحجر العثرة الأكبر الذي يمكن أن يُفشل الاتفاق الأمريكي الإيراني لكلا الاطراف الرافضة للاتفاقية ، لكونه الساحة الأكثر سخونة ومباشرة للتصادم بين طهران وتل أبيب على اعتباؤ ان لا حدود جغرافية بين الطرفين، وبالتالي فإن جبهة جنوب لبنان هي ساحة الاشتباك المباشر التي تترجم موازين القوى بينهما ميدانياً وتعتبر ايران حزب الله اللبناني يمثل التاج في شبكة النفوذ الإقليمي لهإ ، وأي مساس بوجوده العسكري يُعد خطاً أحمر تفاوضياً بالنسبة لطهران ، ويبقى الفيتو الميداني الاسرائيلي هو مسمار التفجير الحقيقي في حال أقدمت على توجيه ضربة جوية كبرى أو اغتيال قيادي بارز في بيروت، ما يجبر طهران على الرد لحفظ ماء الوجه، وبالتالي ينهار الاتفاق برمته وينفجر الميدان مجدداً.


























