بقلم: الدكتور بندر عباس اللامي
يواجه الاقتصاد السياسي العراقي منذ الاحتلال 2003 عمليات نهب منظمة تقوم بها القوى والأشخاص المهيمنين على السلطة واليوم يمر العراق المحتل بواحدة من أخطر منعطفاته منذ عام 2003 وهي التحركات المتسارعة والممنهجة نحو ما يمكن تسميته ((بتفكيك مؤسسات الدولة وعرضها في المزاد العلني ))تحت لافتات براقة مثل الاستثمار أو التخاصصية أو الإصلاح الهيكلي في قلب هذا المشهد الاقتصادي المزري المسؤول عنه نفس القوى التي تتحكم بالبلاد والعباد منذ نيسان ٢٠٠٣
اليوم تبرز تحركات الإطار التنسيقي الحاكم وبعض الشخصيات السياسية والتنفيذية —ومنهم علي الزيدي وغيره ؟!كعرابين لهذه المرحلة الحساسة.
لذلك فتفكيك هذا المشهد يكشف عن سيناريو كارثي يتجاوز مفهوم الإصلاح الاقتصادي بمراحل ليتحول إلى عملية ((تدوير وغسيل أموال)) كبرى على حساب أصول الدولة ومستقبل الأجيال.
أولاً: أهداف الإطار التنسيقي وعرّابي الخصخصة.. لمن تُباع الدولة؟
إن الهدف الحقيقي من وراء خطط بيع أو إيجار أو تخصيص مؤسسات الدولة الحيوية (كالطاقة والاتصالات والموانئ والمصانع الحكومية الكبرى) لا ينطلق من رؤية رأسمالية لتنشيط السوق كما يدعون بل ينطلق من مصالح سياسية وفئوية ضيقة يمكن تلخيصها في نقطتين:
1.إعادة تدوير المال السياسي الفاسد:إن الجهات التي تملك السيولة النقدية الضخمة اليوم داخل العراق لشراء هذه المؤسسات أو الاستحواذ على عقودها الاستثمارية طويلة الأجل ليست شركات عالمية رصينة، بل هم الفاسدون أنفسهم… هؤلاء الذين نهبوا مئات المليارات من الدولارات طيلة العقدين الماضيين عبر ((مكاتبهم الاقتصادية)) التابعة للأحزاب الفاسدة وصفقات الفساد وتهريب العملة. واليوم! يجدون في شراء أصول الدولة الفرصة المثالية لتحويل أموالهم القذرة إلى أصول شرعية وقانونية داخل البلاد.
2.بناء دولة عميقة اقتصادية:بعد أن أحكمت القوى النافذة قبضتها على القرار السياسي والأمني تسعى الآن إلى إحكام قبضتها على (العمود الفقري) للاقتصاد العراقي. بيع المؤسسات يعني تحويل الدولة إلى مجرد هيكل أجوف لاحول ولا قوة له بينما تصبح إدارة حياة المواطن اليومية (الكهرباء والصحة والتعليم والنقل وكل شيئ ) بيد حيتان الفساد بشكل قانوني ومستدام.
ثانياً: معضلة الصمت الأمريكي.. لماذا تتغاضى واشنطن؟
يتساءل الشارع العراقي بغضب: كيف لدولة مثل الولايات المتحدة التي تمتلك نظام رقابة مالية صارم (كالفيدرالي الأمريكي) وتتحكم بمنافذ تدفق الدولار للعراق أن تستمر بسكوتها عن كل هذه الجرائم الاقتصادية؟
الواقع السياسي الذي واضح أن الاحتلال الامريكي مستفيد منه جدا؟! يفرض مصالح متبادلة تفوق شعارات (دعم الديمقراطية ومحاربة الفساد)لذلك نلاحظ:
1.معادلة الاستقرار الهش:تعتمد الإدارات الأمريكية في تعاملها مع المشهد العراقي الحالي على مبدأ (حفظ الاستقرار الشكلي الظاهري) … ما دامت الحكومات السابقات والحالية تخدم مصالح الاحتلال ؟! وتضمن عدم تصعيد الفصائل المسلحة ضد المصالح الأمريكية وتؤمن تدفق النفط إلى الأسواق العالمية فإن واشنطن مستعدة لإغلاق عينيها وصم آذانها عن ملفات الفساد الداخلي وتفكيك مؤسسات الدولة معتبرة إياها شأناً عراقياً داخلياً؟!
2.يضاف إلى ذلك فإن الرؤية الاقتصادية الغربية (والتي تمثلها أدوات مثل صندوق النقد والبنك الدوليين) تدفع دائماً باتجاه تقليص وانهاء القطاع العام وخصخصة مؤسسات الدولة بغض النظر عن نزاهة المشتري أو البيئة السياسية الفاسدة التي تتم فيها هذه الخصخصة.
ثالثاً: البديل الغائب.. استرداد الأموال المنهوبة كطوق نجاة
المفارقة الصارخة والقاتلة في المشهد العراقي هي أن الدولة لا تمر بأزمة انعدام الموارد لتبرر بيع أصولها ومؤسساتها ؟؟!! بل تمر بأزمة النهب والسرقات والفساد المنظم للدولة ومواردها لذلك فالحل الاقتصادي والوطني الحقيقي لا يكمن في التخلص من ممتلكات الشعب بل في تفعيل ستراتيجية استرداد الأموال المنهوبة:
أ.الخيار الحالي (الخصخصة الفاسدة) مقابل البديل الوطني (استرداد الأموال)
ب.بدل بيع مؤسسات الدولة بأسعار بخسة للفاسدين. يجب تفعيل حقيقي اللجان المتخصصة بالنزاهة والقضاء لملاحقة اللصوص الحقيقيين.
ج. وبدل تحويل الأرباح لجيوب الأحزاب الحاكمة وشبكاتها. يجب استرجاع مئات المليارات المهربة كافٍ لسد عجز الموازنة بالكامل.
د. وبدل زيادة الفقر والبطالة وتحكم لصوص القطاع الخاص الجشع بالمواطن. يمكن تمويل مشاريع البنية التحتية وبناء المدارس والمستشفيات ويفوق حاجة العراق لسنوات.
اين ادارة ترامب مما يحدث؟
إن بيع مؤسسات الدولة العراقية في مزاد الفساد هو رصاصة الرحمة التي تطلق على ما تبقى من مفهوم الدولة الراعية إن السكوت على هذه الإجراءات محلياً ودولياً (الاختلال الأمريكي والبريطاني) يشرعن لسرقات القرن المستمرة ويحول السارق من ملاحَق قضائياً إلى ((رجل أعمال وسياسي ومستثمر)) الذي اصبح يمتلك مقدرات البلاد بقوة السلطة والقانون.
العراق ليس بلداً فقيراً ليبيع أثاث بيته بل هو بلد منهوب مسروق ومسلوب الارادة وإصلاح اقتصاده يبدأ بقطع يد السراق الذين يهيمنون على السلطة ومقدراتها واسترداد الأموال وهم انفسهم من يشرعون بيعه تفكيك( تفصيخ) لايباع البيت للسارق نفسه.


























