بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تعد (جزيرة خرج) أهم مركز لتصدير النفط الإيراني، وان أي حديث عن “استهدافها” أو “السيطرة عليها” يدخل في صلب الحرب الاقتصادية وليس فقط العسكرية. وهذا مادفع الولايات المتحدة الامريكية عن هدفها في السيطرة عليها أو التلويح بأحتلالها لاجل الردع والضغط النفسي ، كون الإعلان أو التسريب عن نية امريكا استهداف موقع حساس مثل خارك يهدف إلى الضغط على إيران قبل أي مواجهة وكذلك إرسال رسالة بديلة عن الحرب، وليس مقدمة لها كنوع من التصعيد الاعلامي الذي يسبق اي عملية تفاوض
بمعنى أدق ان الحديث عن جزيرة خرج قد يكون “سقفًا تفاوضيًا” وليس خطة فورية ، يضاف الى ذلك من أجل طمأنة حلفائها وتحديداً في الدول الخليجية التي تعتمد على استقرار سوق النفط ، وهذا الاجراء معهود في الحروب كنوع من الدعاية الاعلامية وتضخيم القوة العسكرية لأجل ارباك الخصم لخلق حالة عدم يقين داخل نفسية العدو
وهناك نقطة مهمة جدًا يجب عدم اهمالها ، ان الولايات المتحدة نادرًا ما تعلن صراحة نية “احتلال” موقع محدد مثل “خرج” قبل التنفيذ، لأن ذلك يعطي الخصم وقتًا للاستعداد ويرفع تكلفة العملية عسكريًا وسياسيًا وان الحديث عن جزيرة خرج ليس بالضرورة خطة احتلال فعلية!
هل فعلاً هناك تحشيد حقيقي حول جزيرة خرج؟ أم تمويها لاحتلال مكان اخر؟
جزيرة خرج بحد ذاتها هدف ضخم جدًا لأنها كونها تمثل شريان تصدير النفط الإيراني
واستهدافها يؤدي الى خنقاً سريعاً لايران من الناحية الاقتصادية باعتبارها هدفاً استراتيجياً
ولكن ماذا لوكان التلويح باحتلالها تمويهاً عسكرياً لضرب او احتلال هدفاً اخر
في التفكير العسكري الأمريكي هناك مفهوم عسكري يطلق عليه إ”شغال الخصم بنقطة والتحرك في نقطة أخرى وهنا تظهر احتمالات الهدف الأكبر”
- المضائق البحرية (الأهم عالميًا” كمضيق هرمز وباب المندب هذه أهم من جزيرة خرج لأن التحكم بها يعني التحكم بتدفق النفط العالمي وان أي تصعيد فيها سيؤثرعلى الاقتصاد العالمي فورًا لذلك أحيانًا يتم التركيز إعلاميًا على “خرج” بينما القلق الحقيقي هو الاهداف الاكبر.
- القدرات العسكرية الإيرانية بدل الأرض، قد يكون الهدف الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وقواعد الحرس الثوري مايعني شلّ القدرة الهجومية بدلاً من احتلال موقع اخر.
3. النظام الاقتصادي الإيراني بالكامل بما فيها جزيرة خرج جزء من الصورة، لكن الهدف الأكبر قد يكون فرض حصار شامل
وضرب البنية التحتية للطاقة والنقل.
- إدارة الصراع وليس حسمه في كثير من الأحيان، الهدف الحقيقي ليس “احتلال” بل إبقاء الضغط مستمر واستنزاف الخصم لتحسين شروط التفاوض
الخلاصة الدقيقة:
ممكن أن يكون الحديث عن جزيرة خرج جزء من تمويه أو تضليل ولكن في نفس الوقت، خرج بحد ذاته هدف استراتيجي ضخم وليس صغيرًا والأرجح أن ما يحدث هو تعدد أهداف وليس هدفًا واحدًا مخفيًا ولهذا نجد ربط بين تحركات الحوثيين في البحر الأحمر وبين هذا السيناريو، لأن هناك خيط مهم يربط بين الجبهتين وهناك ربط الصورة بشكل أعمق بين ما يحدث في البحر الأحمر وجزيرة خرج لأنهما في الحقيقة جزء من مسرح واحد للصراع تتلخص في الاتي:
أولًا: الجغرافيا تصنع الاستراتيجية
وهنا لدينا ثلاث نقاط مترابطة (مضيق هرمز الذي يمثل شريان النفط الإيراني والخليجي وجزيرة خرج باعتيارها مركز تصدير النفط الإيراني وباب المندب باعتباره بوابة البحر الأحمر نحو العالم) الذي يشكّل “مثلث الطاقة العالمي”
ثانيًا: دور الحوثيين في البحر الأحمر
ان تحركات الحوثيين ليست معزولة، بل تخدم عدة أهداف مرتبطة بـ إيران كونه يفتح جبهة بعيدة عن إيران
بدل أن تكون المواجهة مباشرة يتم نقل الضغط إلى البحر الأحمر واستهداف الملاحة الدولية،الامرالذي يخفف الضغط المباشرعن “الخليج وخرج” وخلق توازن رعب بحري إذا تم تهديد من مضيق هرمز من جهة إيران وباب المندب من جهة الحوثيينوهنا تصبح التجارة العالمية “محاصرة من جهتين اضافة الى تشتيت الولايات المتحدة عسكريًا مايجعلها تضطرإلى نشر قوات في الخليج وقوات أخرى في البحر الأحمر وهذا يقلل من تركيزها على هدف واحد مثل جزيرة خرج
ثالثًا: أين الرابط الحقيقي؟
ايتمثل بإدارة مسارات الطاقة العالمية وهو مايمثل السيناريو المحتمل والتلويح بضرب جزيرة خرج باعتبارة يشكل ضغطاً مباشراً على إيران يقابله تحريك الحوثيين كنوع من الضغط غير المباشرعلى العالم وان خنق نفط إيران يجعل خنق الملاحة العالمية أمراً وارداً من حيث التوقعات
رابعًا: ماذا يعني هذا استراتيجيًا؟
نحن أمام معادلة حتمية هي النفط مقابل الملاحة وهذا يعني تقوم الولايات المتحدة الامريكية بالضغط على النفط الإيراني عبر جزيرة خرج ، يقابله رد إيران بتهديد خطوط التجارة (البحر الأحمر + مضيق هرمز)
خامسًا: الاستنتاج الأهم
ما يحدث ليس مجرد استهداف جزيرة أو تحرك جماعة مسلحة بل هو صراع على التحكم بتدفق الطاقة العالمية ولهذا نجد ان جزيرة خرج تعني أداة ضغط اقتصادية ومليشيا الحوثيون أداة ضغط جيوسياسية على اعتبار ان خرج قد يكون “واجهة للضغط” و البحر الأحمر هو “جبهة التشتيت”.



























