بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تعتمد اسس التحليل العميق على الركائز الاساسية ( من ، ماذا ، لماذا ، السبب ، النتائج ، التوقعات ) وعليه سنحلل تصريح دونالد ترامب “أن الدول التي لم تشارك معنا في الحرب ستُجبر على شراء النفط من أمريكا” يحمل عدة أبعاد استراتيجية أكثر من كونه مجرد تصريح اقتصادي مباشر. يمكن قراءته على النحو التالي:
1. ضغط سياسي وليس قراراً قابلاً للتطبيق حرفياً
هذا النوع من التصريحات يُستخدم غالباً كورقة ضغط على الحلفاء قبل الخصوم. من الصعب عملياً فرض شراء النفط الأمريكي على دول ذات سيادة، لكن يمكن ربطه بالعقوبات، أو الحماية الأمنية، أو الاتفاقيات التجارية.
2. توظيف الطاقة كسلاح جيوسياسي
الولايات المتحدة، خاصة بعد طفرة النفط الصخري، أصبحت من كبار المنتجين. ترامب يميل لاستخدام الطاقة كأداة نفوذ:
لمعاقبة الدول غير المتعاونة ومن وجهة نظر اخرى مكافأة الحلفاء وتقليل اعتماد العالم على نفط خصوم مثل إيران أو روسيا
3. إعادة تشكيل التحالفات
التصريح يوحي بفكرة: “من ليس معنا هو ضدنا وعليها ان تتحمل التكلفة الاقتصادية” وهذا يعكس نهج “الصفقات” الذي اتبعه ترامب، حيث تتحول العلاقات الدولية إلى مقابل حماية والتزام اقتصادي أو حياد يقابله تكلفة وعقوبات.
4. استهداف غير مباشر لدول معينة
قد يكون المقصود دولاً لم تدعم أي عمل عسكري أو سياسي تقوده واشنطن أو دول تستفيد من الأزمات دون الانحياز
5. انعكاسات على دول الخليج والعالم العربي
لو طُبق هذا التوجه نظرياً سيخلق توتر مع الدول النفطية (لأنه ينافسها مباشرة) الامر الذي من شأنه ان يضغط على الدول المستوردة للنفط لتغيير مصادرها قد يؤدي إلى إعادة رسم سوق الطاقة العالمي
6. هل هو واقعي؟
تشير التوقعات ان التطبيق الكامل شبه مستحيل لكن التأثير الجزئي ممكن ان يحقق الغاية منه عبر العقوبات، التسعير، والاتفاقيات مايعني ان التصريح ليس مجرد تهديد اقتصادي، بل يعكس رؤية تقوم على ربط الأمن بالاقتصاد، واستخدام النفط كأداة لفرض النفوذ السياسي، أكثر من كونه خطة قابلة للتنفيذ الحرفي.
من هي الدول المستهدفة فعلياً بهذا التصريح
أو كيف سينعكس ذلك تحديداً على دول الخليج أو العراق أو الأردن بشكل أدق ولنفكك التصريح بشكل أدق ونحدد الدول المستهدفة فعلياً ثم الانعكاسات المباشرة على الخليج والعراق والأردن:
أولاً: من هي الدول المقصودة بتصريح دونالد ترامب؟
التصريح عادة لا يكون عشوائياً، بل موجّه لثلاث فئات رئيسية:
1. الدول “الحيادية” في الصراعات هي الهند الصين وهذه الدول تستفيد من الأزمات بشراء النفط بأسعار منخفضة
لا تنحاز سياسياً بشكل واضح وتصريح ترامب لها: “إذا لم تدعمونا سياسياً، سندفعكم اقتصادياً لتغيير موقفكم”
2. الدول التي تتعامل مع خصوم أمريكا هي إيران روسيا
والهدف هو تقليل إيرادات هذه الدول وإجبار المشترين على التحول للنفط الأمريكي
3. بعض الحلفاء غير “الملتزمين بالكامل”
حتى دول قريبة من واشنطن قد تكون ضمن الرسالة، مثل تركيا وبعض الدول الأوروبية وهذا يعني من الفكرة:هو ان التحالف يجب أن يكون مكلفاً للطرف الآخر أيضاً”
ثانياً: التأثير على دول الخليج والتأثيرات المحتملة:
1. منافسة مباشرة باعتبار ان النفط الأمريكي سيُفرض كمصدر بديل وهذا يعني تقليل حصة دول الخليج في السوق ، الامر الذي سينعكس الضغط على الأسعار
2. ضغط سياسي
أمريكا قد تقول اننا نحميكم أمنياً وعليكم الالتزم بسياساتنا النفطية”
3. إعادة تموضع
قد يجعل دول الخليج إلى تنويع الشركاء مثل (الصين، آسيا) مايعني تقليل الاعتماد على واشنطن
ثالثاً: التأثير على العراق
العراق في وضع حساس جداً من حيث الضغط المزدوج وعلاقاتها مع أمريكا يضاف الى ذلك ارتباطها الاقتصادي والسياسي مع إيران وهذا يجعله تحت ضغط مباشر من أي سياسة أمريكية وكذلك خشيتها من خطر صادراتها النفطية في حال تم توجيه الأسواق نحو النفط الأمريكي ، الامر الذي قد يتأثر الطلب على النفط العراقي أو يُفرض عليه التزام سياسي مقابل الدعم
ناهيك عن ورقة الطاقة كسلاح وهذا يعني ان واشنطن قد تستخدم النظام المالي للضغط على بغداد.
رابعاً: التأثير على الأردن
من المعلوم ان الأردن وضعه مختلف لأنه مستورد للطاقة وإذا أُجبر على شراء النفط الأمريكي فسيكون ارتفاعاً بالتكاليف
وايضا ان التكلفة أعلى من بعض البدائل يضاف الى ذلك ضغطاً على الاقتصاد المرتبط بالمساعدات كونه يعتمد جزئياً على الدعم الأمريكي الممزوج بالسياسات الأمريكية، يضاف الى ذلك انها محكومة بمحدودية الخيارات بعكس دول الخليج وهذا يعني انه سيتأثر بسرعة بأي تغيير.
النتائج
تصريح دونالد ترامب يعكس تحولاً مهماً من:التحالفات السياسية التقليدية إلى تحالفات قائمة على المصالح الاقتصادية المباشرة
اذن نحن أمام توجه يقول: “من لا يدفع سياسياً… سيدفع اقتصادياً”وان هذا النوع من التصريحات يمكن أن يكون جزءاً من توجه أوسع لإعادة تشكيل خريطة الطاقة العالميةولكن ليس بالضرورة لإضعاف الخليج بشكل مباشر، بل لإعادة توزيع النفوذ بما يخدم واشنطن. مايدلل اننا أمام إعادة رسم لخريطة الطاقة؟ على اعتبار ان تصريحات دونالد ترامب تنسجم مع استراتيجية قائمة على 3 محاور:
1. تحويل الطاقة إلى أداة هيمنة أمريكا لم تعد فقط مستهلكاً، بل أصبحت: أكبر منتج تقريباً بفضل النفط الصخري وهي قادرة على التأثير في الأسعار والإمدادات الهدف: جعل العالم يعتمد على الطاقة الأمريكية وليس فقط على نفط الشرق الأوسط وجعل العالم يعتمد على الطاقة الامريكية وليس مقتصراً على نفط الشرق الاوسط.
2. كسر احتكار الاسواق التقليديةمن المعلوم ان دول الخليج العربي المورد الرئيسي للنفط وان اسيا تعتمد عليهم بشكل كبير ، مايجعل واشنطن الدخول بقوة كمنافس للسوق النفطية ، الامر الذي سينعكس سياسياً واقتصادياً.
3. خنق خصوم الطاقة “ايران وروسيا عبر فرض عقوبات لتوجيه المسشترين للنفط الامريكي ما يعني اضعاف دول الخليج العربي بشكل غير مباشر يضاف الى ذلك سنكون امام معسكرين: الاول يتمثل بالصين وروسيا وايران والثاني: تقوده الولايات المتحدة الامريكية ، الامر الذي سينتج عنه “حرب الطاقة وتسييس الاسعار”.
ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT


























