بقلم: ا.د عبدالرزاق محمد الدليمي
لم يكن احتلال العراق في نيسان عام 2003 مجرد عملية عسكرية هائلة عابرة بل كانت مشروعًا متكاملًا لإسقاط دولة وإعادة تشكيلها من الصفر. أما ما يجري اليوم ضد إيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل فهو نموذج مختلف تمامًا من الحروب فهي مختلفة في أهدافها …حرب لا تهدف إلى احتلال الأرض كما حصل مع العراق بل إلى كسر الإرادة وتفكيك النفوذ.
في العراق كان الهدف واضحًا وصريحًا وهو إسقاط النظام السياسي بقيادة صدام حسين واحتلال البلاد عسكريًا ثم فرض نظام جديد يتماشى مع الرؤية الأمريكية ولمصلحتها واعطي لملالي طهران حيزا مهما في مرحلة مابعد الاحتلال وتشكيل النظام الجديد المزدوج الولاء بين واشنطن وطهران ؟! كانت الحرب في جانب منها تقليدية في أدواتها صادمة في سرعتها ومباشرة في نتائجها. دخلت القوات الأمريكية بغداد خلال أسابيع لان امريكا ومن خلال سلطة الامم المتحدة ومجلس الامن ولجان التفتيش أحكمت طوقها على كل مقدرات العراق سيما العسكرية فدمرت الاسلحة الصاروخية وكل انواع التكنلوجيا في العراق (( اغلبها تم تهريبة مع العلماء إلى ايران بعد الاحتلال وبعلم امريكا؟!)) وتم تدمير مؤسسات الدولة بشكل كامل لتبدأ مرحلة طويلة من الاحتلال وإعادة البناء السياسي وفق معايير خارجية ؟؟!!
أما في الحالة الإيرانية فالمشهد مختلف تماما وربما في عام ٢٠٢٦ أكثر تعقيدًا وتشابكًا. لا توجد دبابات تتجه نحو طهران لحد الان (٣٠آذار ٢٠٢٦) ولا إعلان رسمي عن غزو شامل بل هناك حرب متعددة الأبعاد تتركز بالضربات الجوية الدقيقة وعمليات استخبارية نوعية ودقيقة وحرب سيبرانية واستنزاف مستمر عبر الوكلاء المنتشرين في المنطقة بأعراق ولبنان واليمن والخلايا النائمة التي نوهنا عنها منذ الايام الاولى للحرب (في سوريا ودول الخليج قاطبةً وربما في مصر والباكستان وغيرها ؟!) اذن الهدف هنا لحد الان ليس إسقاط النظام فورًا بل إضعافه تدريجيًا وربما إتاحة الفرصة للشعوب في ايران للإطباق عليه ؟! وحرمانه من أدوات التأثير الإقليمي.
نعم …الفرق الجوهري بين الحالتين يكمن في طبيعة القوة المستهدفة. العراق عام 2003 كان دولة منهكة بالحصار بالعقوبات وبجولات مكثفة من فرق التفتيش (وجميعهم من المخابرات الأمريكية والاسرائلية والبريطانية والفرنسية ووو) ودولة تم عزلها سياسيًا وجيشها لم يسمح له بتطوير قدراته لا ذاتيا ولا من الخارج و لا يمتلك أدوات الردع الحديثة. بينما إيران اليوم سمح لها ؟! على مدى عقود ان تمتلك شبكة معقدة من الحلفاء الإقليميين وقدرات صاروخية متقدمة وخبرة طويلة في إدارة الحروب غير المباشرة واسست اذرع خطيرة في العراق ولبنان وسوريا واليمن وربما في اماكن اخرى كثيرة ؟! هذا يجعل أي محاولة لغزوها بريًا قد يكون مغامرة عالية الكلفة بل وربما صعبة في الحسابات الواقعية.
كما أن البيئة الدولية تغيّرت بشكل جذري. في 2003 كانت الولايات المتحدة في ذروة هيمنتها العالمية وقادرة على فرض إرادتها رغم الاعتراضات. أما اليوم فالعالم يتجه نحو تعددية قطبية حيث تقف عدة قوى كبرى خلف إيران بشكل مباشر وغير مباشر مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وغيرها ؟! ما يجعل أي تصعيد واسع محفوفًا بخطر الانزلاق إلى صراع دولي أكبر.
الأهم من ذلك هو موقع العراق نفسه في هذه المعادلة. فبعد أن كان هدفًا مباشرًا للحرب أصبح اليوم ساحة صراع غير مباشر تتقاطع فيه المصالح الأمريكية والإيرانية. العراق لم يعد لاعبًا مستقلًا بل جزء من مرهون من رقعة شطرنج إقليمية تتلاعب بها قوى أكبر إقليمية ودولية .
إن ما نشهده اليوم في ايران ليس تكرارًا لسيناريو 2003 بل تحولًا في طبيعة الحروب نفسها. لم تعد الجيوش وحدها هي الحاسمة بل الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ غير المباشر. إنها حرب كسر العظم المخططة والبطيئة حيث لا يُعلن النصر بشكل واضح ولا تُرسم نهايات حاسمة كما حدث في احتلال بغداد.
وفي هذا السياق نعتقد ان نهاية الحرب على العراق ٢٠٠٣ قد انتهت بسقوط الدولة بينما كان المتوقع قبل مهلة العشرة ايام التي منحها ترامب ان الحرب على إيران الملالي ستنتهي بإبقائها ضمن حدود السيطرة لكننا الان امام احتمالية (في هذه الايام المفصلية )بداية استهداف البنى التحتية المهمة جدا في عموم أقاليم ايران التي ستفتح أبواب ايران والمنطقة على زلزال استراتيجي جديد وطبعا سيكون العراق أول المتأثرين به بسبب فشل نظامه السياسي وحكومته من درء المخاطر عنه بحكم تبعية السياسيين وولاء بعضهم المزدوج بين واشنطن وطهران وارتماء مجموعة المليشيات المسلحة بالكامل في احضان الملالي في طهران وقم والضحية هو العراق !!



























