بقلم: الدكتور هاشم الحمامي
في خطوة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والشعبية، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق قرارًا يقضي بنقض قانون العفو العام الذي شرّعه البرلمان العراقي قبل أيام فقط. جاء هذا القرار ليعمّق أزمة الثقة بين الشارع العراقي والسلطة القضائية، خصوصًا مع تصاعد الاتهامات بتسييس المحكمة من قبل القوى الحاكمة، وتحديدًا قوى “الإطار التنسيقي” الشيعي التي تسيطر على المشهد السياسي في العراق. زاد الأمر إثارة للجدل تصريح نوري المالكي، أحد أبرز زعماء الإطار الشيعي، قبل صدور القرار، مؤكدًا أن المحكمة الاتحادية ستنقض القانون، مما عزّز الشكوك حول تدخلات سياسية مباشرة في عمل السلطة القضائية.
وجاء قانون العفو العام كمحاولة لاحتواء الغضب الشعبي المتزايد وتهدئة الأوضاع السياسية المتوترة، حيث سعى البرلمان من خلاله إلى منح فرصة جديدة للكثير من المعتقلين بتهم كيدية، لكن المحكمة الاتحادية قضت بنقض القانون، معتبرة أنه يتعارض مع الدستور العراقي، وهو ما اعتبرته الجهات المشاركة في العملية السياسية من المكون السني، وقوى المعارضة والرأي العام قرارًا مسيّسًا يهدف إلى إبقاء قبضة السلطة على الملفات الحساسة، خاصة تلك التي تتعلق بالمعتقلين من المكون السني والسياسيين والمعارضين للنظام الحالي.
ويرى مراقبون أن هذا القرار يعكس استمرار هيمنة الطبقة الحاكمة على مفاصل الدولة، بما فيها القضاء، في وقت تعاني فيه البلاد من فساد مستشري ونهب منظم للثروات العامة، في ظل تراجع مستوى الخدمات وارتفاع معدلات الفقر والبطالة. كما أن توقيت القرار يأتي في سياق أزمات متراكمة، حيث يعاني العراق من انسداد سياسي واضح، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية التي باتت تهدد استقرار الحكومة الهشة.
ومن المثير للريبة أن تصريحات نوري المالكي قبل صدور القرار تؤكد أن الحكم القضائي لم يكن محض صدفة أو بناءً على معايير قانونية بحتة، بل كان متوقعًا وفقًا لما تمليه المصالح السياسية للقوى المتنفذة. وهو ما يدفع باتجاه تعزيز القناعة الشعبية بأن القضاء في العراق ليس مستقلًا، وإنما يخضع لتوجيهات القوى السياسية الحاكمة، ما يزيد من الاحتقان والغضب الشعبي، ويدفع باتجاه تصعيد المواجهة بين الشارع والحكومة.
يبدو أن قرار المحكمة الاتحادية بنقض قانون العفو العام قد يكون بمثابة “القشة التي تقصم ظهر البعير” للنظام السياسي في العراق، خاصة في ظل تزايد مشاعر الإحباط والاحتقان الشعبي. وإذا استمرت هذه السياسات التي تعزز من هيمنة السلطة وتقوّض استقلالية القضاء، فقد نشهد تصعيدًا خطيرًا في الاحتجاجات الشعبية، وربما الدخول في مرحلة جديدة من الاضطرابات السياسية والأمنية التي قد تهدد استقرار الحكومة بشكل حقيقي. يبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى يمكن للنظام السياسي أن يستمر في تجاهل مطالب الشعب قبل أن تنفجر الأوضاع في وجهه؟



























