بقلم: ا.د هاشم الحمامي
في لحظات التحول الكبرى، تتبدل خرائط النفوذ كما تتغير ملامح الشعوب. فبينما كانت سماء طهران تشتعل بضربات عسكرية مفاجئة، كان العراق يتهيأ – بصمت وصبر – لخلع عباءة ارتداها لعقدين، والبحث عن ثوب جديد لمستقبل يتشكل على أنقاض الإمبراطوريات المتداعية. فها هو العراق، الذي ظل طوال عشرين عاماً أسير النفوذ الإيراني، يتململ من إرثٍ ثقيل، ويتجه، مرغماً أو مختاراً، نحو حضن آخر… حضن العم سام.
إيران: من هيمنة إلى انكسار
منذ العام 2003، حين اجتاحت القوات الأمريكية بغداد، بدا أن الفراغ الذي خلّفته واشنطن سرعان ما ملأته طهران بدهاء سياسي وعقائدي. السيطرة لم تكن لحظية أو سطحية، بل ممنهجة وعميقة؛ فاختيار رؤساء السلطات الثلاث لم يكن يجري في إطار العملية الديمقراطية وحدها، بل غالباً ما كان يخضع لتفاهمات وتوجيهات من مراكز القرار الإيرانية.
المليشيات المسلحة التي نشأت وتوسعت بدعم من الحرس الثوري الإيراني، تحولت إلى أذرع ميدانية تنفذ ما تعجز عنه السياسة، وتفرض أجندات عابرة للحدود.
ومع أن الولايات المتحدة كانت تدرك هذا التمدد، فإنها، لأسباب تتعلق بإعادة ترتيب أولوياتها أو الحفاظ على توازن هشّ في المنطقة، اختارت – على مدى سنوات – أن تغض الطرف.
لكن كل شيء تغيّر بعد السابع من أكتوبر 2023، حين أشعلت عملية “حماس” المباغتة على إسرائيل فتيل حرب شاملة، تحوّلت سريعاً إلى ساحة إقليمية كبرى. وبتسارع غير مسبوق، جاءت الضربات الإسرائيلية والأمريكية في يونيو/حزيران 2025، لتصيب العمق الإيراني: منشآت نووية دُمّرت، منظومات عسكرية شُلّت، وقيادات بارزة سقطت. لم تكن الضربات عسكرية فحسب، بل رمزية أيضاً، قضت على “الهالة الثورية” التي بنتها طهران منذ خمسة عقود.
باتت إيران كوحش مُنهك خارت قواه، منشغلاً بذاته، عاجزاً عن التمدد خارج حدوده، يواجه ثورة داخلية باحتمالات متصاعدة، وتحديات اقتصادية واجتماعية خانقة.
العراق: ما بعد كسر القيد
سيكون العراق أول من يشعر بانفكاك القبضة الإيرانية، حيث ارتبكت المليشيات الولائية وتصدّعت جبهاتها. ومع ذلك، لا يُتوقع أن يكون هذا الانفكاك سلساً؛ فالمليشيات المسلحة لن تغادر المسرح السياسي دون مقاومة دامية. وقد يبدأ المشهد بمواجهات في بغداد، ثم يمتد نحو الجنوب، في صراع محتمل “شيعي–شيعي”، قد يعيد رسم الخارطة الأمنية والسياسية برمتها.
وفي خضم هذا المخاض العسير، يبرز خيار الفدرالية كطريق لا مفر منه، لا سيما مع وجود دعم دولي ضمني لهذا الاتجاه، باعتباره وسيلة لضمان وحدة الدولة مع منح الأقاليم هامشاً من الاستقلال الذاتي.
هكذا، يبدو أن عراقاً جديداً يُولد على أنقاض الهيمنة، عراق الأقاليم والإدارات اللامركزية، تحكمه حكومة مركزية شكلية، تدير التوازنات أكثر مما تدير الدولة، بتوافقات مدروسة يشرف عليها الراعي الأمريكي.
الفرصة والمؤسسات والدور الأمريكي
مع تراجع نفوذ طهران، تعود المؤسسات العراقية إلى الواجهة بعد سنوات من التجميد والتهميش. المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى، اللذان لطالما عُطّل دورهما أو وُجّه بما يخدم مصالح الهيمنة الإيرانية، مرشحان للعب دور محوري في ترسيخ التحول السياسي.
وفي المقابل، فإن الدور الأمريكي المنتظر لن يكون عسكرياً مباشراً، بل سياسياً–إشرافياً، يصوغ التوازنات، ويضبط الإيقاع الداخلي للعراق الجديد، مع مراعاة مصالح إقليمية مثل تركيا والسعودية، التي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي فراغ في الهلال الشيعي السابق.
الأقاليم المتوقع ولادتها، وخصوصاً تلك التي تتمتع بالموارد الطبيعية أو البنية التحتية، ستشهد انتعاشاً اقتصادياً تدريجياً، مستفيدة من التحرر من الابتزاز السياسي والاقتصادي الذي مورس لسنوات.
الخاتمة:
كما يزيل النهر الرواسب حين يعيد شقّ مجراه، يستعد العراق اليوم لتطهير ذاته من عقودٍ من الارتهان، متأهباً لولادة مؤجلة. إنها لحظة الحقيقة: عراق ما بعد الولي الفقيه، وما بعد الغنيمة الإيرانية، وما بعد العنف الطائفي الممنهج.
قد لا تكون الولادة سهلة، وقد لا يخلو الطريق من العنف والارتباك، لكنها فرصة نادرة في تاريخ العراق الحديث. فرصة ليبني دولته لا على مقاسات الآخرين، بل على قياس شعبه وطموح أبنائه. العراق، الذي طالما كان ساحة للصراع، قد يتحول – للمرة الأولى منذ عقود – إلى فاعل في تقرير مصيره، لا تابعاً… بل شريكاً في صياغة مستقبل ما بعد الهيمنة.




























