تحت المجهر
بقلم: موفّق الخطّاب
أعتذر إليكم، سادتي القرّاء، عن هذا الغياب الذي طال أكثر مما ينبغي، وعن تأخري في مواصلة نشر سلسلة محطات من رحلتي إلى العراق. غير أن للأيام أحكامها، وللبدايات الثقيلة أعباءها؛ فقد تتابعت مع مطلع هذا العام أحداث كبيرة ومفصلية، وجدنا أنفسنا مضطرين للوقوف عندها طويلًا في مقالات وتحليلات متعددة، فشغلتنا عن متابعة تلك الرحلة التي لم تكن مجرد تنقل في الجغرافيا، بل كانت عبورًا في الذاكرة، ومحاكاة حادة بالمشاعر، ومواجهة صريحة مع التاريخ القريب.
واليوم نعود بشغف لا يخلو من الحذر، وبحنين مشوب بالأسى، لنفتح صفحة جديدة من تلك الرحلة، ونطوف بكم في محطات أخرى، لا تقل دهشة ولا وجعًا عمّا سبقها.
بعد وجبة غداء دسمة من سمك الشبوط المقلي، في سوق السمك الشهير بمنطقة الميدان، حيث تختلط روائح الزيت والتوابل بأصوات الباعة ونقر السكاكين على الواح الخشب الغافية عليه الاسماك، جلسنا نلتقط أنفاسنا بكأس من الشاي العراقي المهيّل، ذاك الشاي الثقيل او السنكين كما يحلو للبعض قوله و الذي لا يُشرب بل يُتذوّق ببطء. شعرنا أن المعدة تطالب بحقها، ولا سبيل إلى ذلك سوى المشي، امتثالًا للمثل الشعبي العتيق: «اتعشّى واتمشّى».
وقع اختيارنا على جامع النوري الكبير، فالمسافة التي تفصلنا عنه لا تتجاوز كيلومترًا واحدًا، لكنها بدت وكأنها رحلة كاملة في ذاكرة المدينة. كان الجو معتدلًا، والسماء تميل إلى الزرقة يتخللها غيوم متفرقة ، فيما الشوارع تحكي قصصها بصمت ثقيل.
مررنا بشارع النجفي، فكان المشهد صادمًا. هذا الشارع الذي عرفناه يومًا عامرًا بالمكتبات، والبسكوت و يعجّ بالقرّاء، وتفوح منه رائحة الورق والحلوى ومن السما المهيلة وصواني الزلابيا والبقلاوة ، بدا اليوم شبه خالٍ، كأن الحياة انسحبت منه على مهل. الدمار ما زال شاهدًا، وركام الحجارة يتصدر الواجهة، وكأن المدينة لم تُمنح الوقت الكافي لتلتقط أنفاسها.
أما سوق الصياغ، فقد أُعيد إعماره بحلّة أنيقة، واجهات حجرية منسقة توحي بالعودة، لكنها عودة ناقصة. فالمكان، رغم جماله، بدا مهجورًا، خاليًا من أصحابه. الحرفيون جميعهم استقروا في الساحل الأيسر، ولم يجدوا سببًا مقنعًا للرجوع. بدا السوق كجسد أنيق بلا روح، وكذاكرة جرى ترميمها دون أن تُستعاد.
واصلنا المسير إلى شارع السرجخانة، فإذا به لا يختلف كثيرًا عن سابقه. المحلات التي كانت مقصد النساء، والصيدليات التي لا تهدأ، والضجيج الذي كان يميز المكان، كلها غابت. بعد ان كانت تعلو الأبنية عيادات ومختبرات ومقاهي كلها قد غابت واسدل الستار عنها ، غير أن الهياكل المهدّمة ما زالت تفرض حضورها، تحزّ في النفس، وتثير سؤالًا مؤلمًا: كيف يمكن لمدينة أن تُحرر، ولا تُعمّر؟ ثمانية أعوام مضت، وما زالت الجراح مفتوحة.
هنا، لا بد من القول صراحة: إن إعادة الحياة إلى الساحل الأيمن لا تكون بالشعارات ولا بوعود من السادة النواب والوزراء و كبار الشخصيات، بل بخطط واضحة، وإجراءات حازمة، تُلزم أصحاب الأملاك بإعادة الإعمار، أو تفتح باب الاستملاك لإعادة تأهيل الشوارع الحيوية. كما لا بد من تنسيق حقيقي مع النقابات المهنية لإعادة أصحاب الحرف إلى أماكنهم الأصلية. فالمطاعم والمقاهي، مهما كثرت، لا تصنع مدينة حيّة، بل تصنع واجهة مؤقتة للحياة.
ثم، فجأة، ظهرت أمامنا في نهاية المطاف.
المنارة الحدباء… عنقاء الموصل.
توقفنا متسمرين امامها. شعرنا بقشعريرة تسري في الجسد، وكأن المكان يفرض صمته وهيبته. نظرنا إليها من طرف خفي، مزيج من الرغبة والرهبة. بدت كالأم العائدة من وجع ودرب طويل، تحنو على أبنائها، وتعاتبهم بصمت. قرأنا في ميلانها صبر السنين، وفي هلالها حزن الفراق. سالت الدموع منا ا؛ دموع فرح لأنها نهضت من الركام، ودموع حزن على ما أصابها وأهلها من ظلم، وعلى جراح لم تندمل بعد.
دخلنا باحة جامع النوري الكبير، وطُفنا بحدائقه التي استعادت شيئًا من خضرتها. جلسنا قليلًا، فانسابت منا الذكريات. عدنا أطفالًا ننتظر أذان المغرب من منارته، ونصغي لصوت مدفع الإفطار في رمضان، لنركض بعدها إلى بيوتنا، نصرخ بأصواتنا الغضة: «افطروا… افطروا»، وكأننا نعلن للجميع أن فرحة الصائم نحن من يزفها .
ثم صدح صوت الأذان لصلاة العصر، فدخلنا المسجد. كان المكان مألوفًا، دافئًا، كأنه يعرفنا. نظرت إلى المنبر، فارتدت بي الذاكرة إلى خطب الشيخ عبد الوهاب الشمّاع التي تلهب في الشباب المشاعر، والشيخ ذنون أبو الحكم بصوته الجهوري، رحمهما الله، وكيف كان المسجد يغصّ بالمصلين، حتى تضيق الطرقات بهم ، وتتوقف حركة الشارع إجلالًا للوقت والمكان.
ولا يسعنا هنا إلا أن نرفع قبعات التقدير لدولة الإمارات العربية المتحدة، ولمنظمة اليونسكو، ولكل يد ساهمت في إعادة إعمار هذا المعلم، الذي هو ليس حجرًا فحسب، بل روح مدينة وتاريخ لا يمكن طمسه.
ومع ذلك، فإن مسؤولية المرحلة المقبلة تقتضي تنظيم الزيارة لهذا الصرح، وتوفير مرشدين يتقنون اللغات، وتنظيم المداخل، وتأمين مواقف سيارات، ليكون المكان لائقًا بمكانته، ومصدر فخر ورزق في آن واحد.
ففي الموصل، كل خطوة حكاية، وكل حجر شاهد، وكل صمت سؤال مفتوح.
وللحديث بقية



























