بقلم: الدكتور هاشم الحمامي
منذ عام 2003، والعراق يعيش في دوامة من الأزمات السياسية والاقتصادية التي أرهقت شعبه وجعلته يتساءل: أين ذهبت أموال العراق؟ كيف لدولة تمتلك واحدة من أكبر احتياطيات النفط في العالم أن تعاني من الفقر، البطالة، وتردي الخدمات الأساسية؟ الجواب يكمن في الفساد المالي المستشري في مفاصل السلطات الثلاث، والهيمنة السياسية التي حوّلت البلاد إلى ساحة مفتوحة للنهب وسوء الإدارة.
ولم تسلم أي من السلطات التنفيذية، التشريعية، أو القضائية في العراق من آفة الفساد. فقد تسللت شبكات المحسوبية والرشاوى إلى كل زاوية من النظام الحكومي، مما أدى إلى استنزاف ثروات البلاد دون رقيب أو حسيب. القوانين تُفصل لمصلحة الأحزاب، والقرارات تُتخذ بناءً على صفقات سياسية مشبوهة، فيما بقي القضاء عاجزًا عن محاسبة المتورطين، لأن معظمهم يملكون نفوذًا سياسيًا يجعلهم فوق القانون.
قبل عام 2003، كان العديد من السياسيين الحاليين يعيشون في ظروف مادية متواضعة، لكن بعد أن استلموا زمام السلطة، تحولوا إلى أثرياء يمتلكون عقارات فاخرة، شركات كبرى، وأرصدة ضخمة في البنوك الأجنبية. تقارير رسمية ودولية تشير إلى أن العراق خسر أكثر من 300 مليار دولار بسبب الفساد المالي، حيث ذهبت هذه الأموال إلى حسابات خاصة لرؤساء الأحزاب والكتل السياسية، عبر عقود وهمية، ومشاريع غير مكتملة، وتهريب ممنهج للثروات.
- وفقًا لتقرير منظمة الشفافية الدولية، فإن العراق يحتل مرتبة متقدمة في قائمة الدول الأكثر فسادًا.
- تقارير رسمية تشير إلى أن ما بين 250 إلى 300 مليار دولار تم تهريبها خارج العراق منذ 2003.
- ملفات الفساد تشمل صفقات الأسلحة، الكهرباء، النفط، والأدوية، حيث تُقدَّر الأموال المهدورة بمليارات الدولارات.
- مشروع “صفقة الكهرباء” وحده كلف العراق أكثر من 60 مليار دولار دون أن تتحسن الشبكة الكهربائية.
ولا يخفى على أحد أن العراق أصبح بمثابة الخزان المالي لإيران، حيث ساهم وكلاؤها وعملاؤها في تهريب مليارات الدولارات عبر مزاد العملة في البنك المركزي العراقي، مما أدى إلى تفاقم الأزمة المالية في الداخل. كما تحول العراق إلى سوق استهلاكية للبضائع الإيرانية، حتى في أبسط المنتجات بدءاً من الطماطم على سبيل المثال، التي تُستورد من إيران بأسعار مضاعفة، رغم أن العراق كان من كبار المنتجين لها قبل 2003.
إن إنهاء هذه المأساة يتطلب محاسبة جميع المتورطين في سرقة المال العام، واستعادة الأموال المهربة عبر التعاون مع المجتمع الدولي. يجب فرض رقابة صارمة على الإنفاق الحكومي، ووضع آليات فعالة لمكافحة الفساد، فضلاً عن تفعيل الدور الرقابي للمجتمع المدني والإعلام الحر لكشف الحقائق ومنع المزيد من النهب.
وفي الختام لا يمكن للعراق أن ينهض مجددًا إلا بعد تنظيف مؤسساته من الفساد، وإعادة بناء نظام اقتصادي قائم على الشفافية والعدالة. الشعب العراقي يملك الحق في معرفة أين ذهبت أمواله، ومن المسؤول عن تبديدها، ويجب أن تكون هناك إرادة سياسية حقيقية لمحاسبة الفاسدين وإعادة الحقوق إلى أصحابها. فبدون ذلك، سيبقى العراق رهينة لنفس الدوامة من الأزمات، ولن يحقق الاستقرار المنشود، ولكون الفساد مرتبط بالطبقة السياسية الحاكمة منذ 2003 فقد آن الأوان لإزالة هذه الطبقة الفاسدة ووضعهم أمام محكمة الشعب الذي نهبت أمواله.



























