بقلم:الدكتور هاشم الحمامي
تتجه الأنظار إلى العاصمة العراقية بغداد، حيث من المزمع عقد القمة العربية المقبلة وسط أجواء إقليمية مشحونة وتوترات متزايدة بين المحور الإيراني من جهة، والمحور الأمريكي-الإسرائيلي من جهة أخرى. في ظل هذه الظروف، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى وأمان عقد هذا الاجتماع في بغداد، خاصة مع تصاعد المخاوف بشأن أمن وسلامة الزعماء العرب المدعوين إلى القمة.
فالمنطقة تقف على صفيح ساخن، حيث تتزايد الاتهامات المبطنة من قبل رموز السلطة في العراق للدول العربية بالسعي لتشكيل تحالف عسكري جديد يضم إسرائيل، في ما يشبه »الناتو العربي« المدعوم أمريكياً. وبينما تتباين المواقف الرسمية حول هذا الطرح، لا تخفي الفصائل المسلحة المدعومة من إيران في العراق استياءها من أي تقارب عربي-إسرائيلي، مما يجعل حضور القادة العرب إلى بغداد مغامرة محفوفة بالمخاطر.
ومنذ احتلال العراق في عام 2003، تعاقبت الحكومات العراقية وقادة الفصائل المسلحة على توجيه انتقادات حادة للأنظمة العربية، متهمين إياها بدعم الإرهاب وزعزعة الأمن والاستقرار في العراق. وقد تجلى هذا الخطاب العدائي بوضوح في تصريحات العديد من الشخصيات السياسية العراقية، بدءاً من نوري المالكي رئيس الحكومة الأسبق مروراً بأعضاء برلمانيين يمثلون الأحزاب والجماعات المسلحة. ولعل تصريحات عزت الشابندر الذي تطاول على ملك الأردن بعبارات غير لائقة من على شاشة قناة سكاي نيوز عربية تأتي ضمن هذا السياق، كما شنت وسائل إعلام عراقية، ممولة من قبل أحزاب وشخصيات نافذة في السلطة، حملات إعلامية ممنهجة ضد قادة الجمهورية العربية السورية ولبنان، وقادة المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، مما يعكس غياب المناخ الملائم لعقد قمة عربية ناجحة في بغداد.
ولا يقتصر القلق على الخطاب العدائي وحملات التشويه الإعلامية، بل يمتد إلى المخاطر الأمنية التي تتهدد القادة العرب خلال انعقاد القمة. إذ لا تزال الحكومة العراقية عاجزة عن بسط سيطرتها الكاملة على الوضع الأمني في البلاد، وسط سطوة الفصائل المسلحة التابعة لإيران، والتي قد ترى في انعقاد القمة فرصة لتوجيه رسائل عنيفة ضد الدول العربية.
إلى جانب المخاطر الأمنية، تبرز إشكالية أخرى تتعلق بالهدف من عقد القمة في ظل الظروف الراهنة. فالمحور الإيراني الساعي لبسط سيطرته على المنطقة يعتبر العراق جزءاً من هذا المحور، والإدارة الأمريكية لم تخفِ نيتها في محاسبة المسؤولين العراقيين على تهريب الدولار إلى إيران، ومحاسبة الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، كما أن النفوذ الإيراني المتغلغل في مؤسسات الدولة العراقية يجعل من بغداد ساحة غير محايدة لاستضافة اجتماع عربي بهذا الحجم. وبالتالي، فإن حضور القادة العرب قد يُفسر على أنه منح شرعية إضافية لنظام سياسي متهم بالفساد والانصياع للأجندات الإيرانية.
ختاماً وفي ظل هذه المعطيات، فإن عقد القمة العربية في بغداد يبدو محفوفًا بالمخاطر، سواء من الناحية الأمنية أو السياسية. ومن الأجدر بالدول العربية أن توصل رسالة قوية إلى الحكومة العراقية بضرورة فك ارتباطها بالمحور الإيراني، والكف عن دعم الميليشيات التي تزعزع استقرار المنطقة. إن رفض انعقاد القمة في بغداد قد يكون خطوة دبلوماسية ضرورية لإجبار العراق على تبني سياسات أكثر استقلالية، بعيداً عن النفوذ الإيراني، حفاظاً على أمن المنطقة واستقرارها.





























