منذ اللحظة التي نشر فيها الموقع الرسمي للمرشد الإيراني تصريحات خطيرة لشخصية عسكرية يدعى حسين محمدي، وهو أحد أهم مسؤولي الدعاية والاستراتيجية الإعلامية للنظام الايراني ، بدا واضحًا أن إيران انتقلت إلى مرحلة جديدة من إدارة الساحة اللبنانية ؛ فالتصريح الذي قال فيه إن “30٪ من الجيش اللبناني هم عناصر في حزب الله صباحًا وجنود رسميون ظهرًا”، لم يكن مجرد كلام عابر أو مبالغة دعائية، بل إعلان صريح عن نوايا إيرانية تتجاوز حدود التأثير السياسي. إنه كشف مقصود عن مستوى الاختراق الذي تتباهى به طهران داخل المؤسسة العسكرية اللبنانية، ومحاولة مكشوفة خبيثة لجرّ الجيش إلى قلب معركة تقترب من لحظة الاشتعال الكامل بين إسرائيل وحزب الله.
بهذه الجملة وحدها، تضع إيران الجيش اللبناني في موقع لم يختره، وتمنح إسرائيل ذريعة جاهزة لاعتبار المؤسسة العسكرية جزءًا من منظومة القتال التابعة للحزب. إنها رسالة عسكرية وسياسية مزدوجة: من جهة تطمئن الداخل الإيراني بأن محور المقاومة بأكمله سيعمل كوحدة واحدة عند ساعة الصفر، ومن جهة أخرى تسعى إلى ردع إسرائيل عبر الإيحاء بأن أي ضربة ضد الحزب ستشمل الدولة اللبنانية كلها، جيشًا وشعبًا. إيران هنا لا ترسل معلومة، بل تصنع معادلة، وتفرض “رواية حرب” مسبقة قبل أن تبدأ المعركة.
ومع اقتراب لحظة الاشتباك المحتمل بين حزب الله وإسرائيل من نقطة اللاعودة، تتصرف طهران وكأن لبنان ساحة مفتوحة يمكن إعادة هندستها بما يخدم مصالحها الإقليمية. ففي ظل الضربات الإسرائيلية الدقيقة والاغتيالات الممنهجة، التي تحاول تل أبيب عبرها تفادي حرب شاملة، ترى إيران أن الحزب يُستهدف تدريجيًا وأن قدراته النوعية تتآكل. ولتعويض هذه الخسائر، تعمل على توسيع الجبهة عبر إدخال الجيش باعتباره عنصرًا إضافيًا لرفع كلفة الضربة وإرباك الحسابات الإسرائيلية.
الحرب بين إسرائيل وحزب الله وحدهما يمكن، نظريًا، احتواؤها. لكن حربًا تشمل الجيش—حتى قسرًا أو عبر الاحتكاك غير المباشر—ستتحول فورًا إلى حرب ضد لبنان كدولة كاملة، بكل طوائفه ومؤسساته. وهذا بالضبط ما تريده إيران: تحويل أي ضربة محتملة على الحزب إلى ضربة على لبنان نفسه، بحيث يصبح استهداف الحزب قرارًا مكلفًا سياسيًا وعسكريًا ودوليًا. إنها لعبة واضحة: إذا كان الحزب مهددًا بالتفكيك أو بالخروج من المعادلة الإقليمية نتيجة ضربة ساحقة، فإن وجود الجيش في المشهد يصبح “صمام أمان استراتيجي” لإيران، لأنه يجعل الحرب على الحزب حربًا على دولة لا على تنظيم.
ومن هنا فإن تصريحات محمدي ليست مجرد استفزاز، بل جزء من عملية ضغط نفسي تستبق الحرب. فهي تضع الجيش تحت عبء التشكيك الإسرائيلي المتوقع، وتدفع بيروت إلى هامش ضيق من الخيارات؛ فلا حياد ممكن في ظل رواية إيرانية تزج الجيش قسرًا في محور المقاومة. بل إن مجرد صدور هذه التصريحات من طهران يجعل أي إعلان رسمي لبناني عن النأي بالنفس موضع شك. فإيران، كما يظهر، لا تريد للجيش أن يكون مؤسسة وطنية محايدة، بل تريد تحويله إلى ورقة ردع إضافية تستخدمها في مفاوضة إسرائيل وإدارة المواجهة عبر الحدود.
وبذلك يتحول الجيش من مؤسسة وظيفتها حماية الدولة إلى أداة في استراتيجية إيرانية تستهدف حماية الحزب وحده. فطهران تريد جبهة لبنانية لا يمكن استفراد حزب الله فيها، جبهة تتشابك فيها المؤسسة العسكرية مع الحزب، ولو على مستوى الرواية فقط، بحيث يصعب على إسرائيل ضرب الحزب دون إشعال لبنان بأكمله؛ خصوصًا أن الحزب مستمر في اعادة ترميم قدراته العسكرية .
إن ما يجري ليس مجرد تصريحات أو ردود أفعال متسرعة، بل خطة إيرانية واضحة للدفاع عما تبقى من محورها . فطهران تستعد لمرحلة ما بعد الضربة المحتملة، وتريد حربًا لبنانية شاملة لا حربًا بين إسرائيل وحزب الله فقط. حربًا يصبح فيها لبنان كله وقودًا، ويُزج فيها الجيش من دون إرادته، ويتحوّل فيها لبنان كله إلى ساحة محرقة وفي هذا السياق، تبدو تصريحات محمدي بداية إعلان عن مرحلة جديدة قد يدفع فيها لبنان أثمانًا لا تحتمل، فقط ليمنع النظام الإيراني خسارة ذراعه الأهم في المنطقة ، و يشغل اسرائيل عن استهداف ايران ولو مؤقتا .




























