بقلم: الأستاذ الدكتور هاشم الحمامي
في أرضٍ خُلقت لتكون مسرحاً للحضارة، وسُقيت من دجلة والفرات، يترنح الحاضر بين أطلال المجد وخرائب الألم. لا شيء أشد قسوة على الأوطان من أن تصبح أسيرة لذاكرتها الجريحة، تعيش الماضي مراراً وتكراراً، فيما يضيع منها الحاضر، ويُجهض المستقبل في المهد.
هكذا يبدو حال العراق اليوم؛ بلدٌ يتكئ على إرثٍ حضاري عظيم، لكنه ما انفكّ يختنق بتاريخٍ ملغوم بالصراعات الطائفية. فمنذ عام 2003، اختار السياسيون الشيعة – الذين تصدروا المشهد بعد احتلال العراق – أن يحكموا لا باسم الوطن، بل باسم الطائفة، ينهلون من آلام الماضي بدلاً من أن يصنعوا أمل الغد.
أسطوانة الماضي… أداة تجهيل ممنهجة
أصبحت سردية المظلومية الطائفية مادةً جاهزة لكل موسم انتخابي. يطلّ السياسي الشيعي على جمهوره لا كقائدٍ لمستقبل أفضل، بل كخطيبٍ في مجلس عزاء تاريخي لا ينتهي. تُستدعى القصص المأساوية، وتُعاد مشاهد الدموع واللوعة، لا لأجل التذكير بظلم وقع، بل لإحياء انقسام يخدم مشروع البقاء في السلطة.
تشير دراسة لمركز “كارنيغي للشرق الأوسط” إلى أن النظام السياسي في العراق بعد 2003 بُني على مبدأ “المحاصصة الطائفية”، لا الكفاءة ولا المصلحة الوطنية. هذه المحاصصة أنتجت طبقة سياسية ترى في الانقسام الطائفي ضمانةً لاستمرارها، وليس خطراً يجب تجاوزه.
شعبٌ محروم… وساسة مترفون
بينما تتكدّس أموال النفط في حسابات الفاسدين، يقف المواطن العراقي في طوابير الذل للحصول على الكهرباء في الصيف القائظ، أو دواء في مستشفى متهالك. تشير تقارير البنك الدولي إلى أن أكثر من 25% من سكان العراق يعيشون تحت خط الفقر، رغم أن البلاد تحقق سنوياً إيرادات نفطية تتجاوز الـ 100 مليار دولار.
أين تذهب هذه الأموال؟ الجواب واضح: تُنفق في تمويل الأحزاب، وشراء الولاءات، وتضخيم المؤسسات الموازية، وتثبيت سلطة من لا يملكون سوى الشعارات. أما التنمية، فتبقى حبراً على ورق، وتُترك المدن تعاني الإهمال، والبنى التحتية تتآكل كالجسد المريض.
الطائفية تموت… حين يصحو الضمير
ورغم كل هذا، فثمة ما يُبشّر. فقد شهد العراق في السنوات الأخيرة موجات غضب شبابية كسرت حاجز الخوف والطائفة. كانت انتفاضة تشرين 2019 علامة فارقة، إذ خرج الآلاف من الشباب الشيعة قبل غيرهم، مطالبين بإسقاط النظام الطائفي، هاتفين باسم الوطن لا المذهب. لقد أدركوا، وإن بعد حين، أن الطائفية لم تكن إلا قيداً ذهبياً كبّل أحلامهم، وسلاحاً مشهراً في يد من لا يريدون لوطنهم أن ينهض.
وتُجمع تقارير صادرة عن “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية” أن هذه الانتفاضات مثلت تحولاً جذرياً في وعي الشارع العراقي، وأكدت أن الغضب الشعبي لم يعد موجهاً ضد طائفة بعينها، بل ضد نظام كامل فقد شرعيته الأخلاقية والسياسية.
خاتمة: آن للذاكرة أن تخلد، وللحاضر أن يُصنع
من يشغله الماضي، لن يبني الحاضر، وسيدمّر المستقبل… لقد آن للعراق أن يطوي صفحة الطائفية لا بإنكار التاريخ، بل بتحريره من سطوة التوظيف السياسي. آن للألم أن يُخلد في كتب العبر لا على منابر التحريض، وأن يتحوّل الدمع إلى تصميم، والجراح إلى جسر نحو وطنٍ لا يُفرّق بين أبنائه، ولا يُدار من قبل جثث سياسية تتغذى على الكراهية.
في ساحة التحرير، وفي شوارع البصرة والناصرية وكربلاء، يُولد عراق جديد… عراقٌ لا يخشى أن يواجه ماضيه، لكنه يرفض أن يكون رهينته. عراقٌ يرى في الشمس رمزاً للوضوح لا الحريق، وفي الوطن بيتاً للجميع لا ضيعة للطائفة.
فهل نكون على موعد مع الفجر، أم نبقى أسرى ليلٍ يرفض الانتهاء؟




























