بقلم: الدكتور هاشم الحمامي
مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تبدو المواجهة بين إيران ومحورها من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أقرب من أي وقت مضى إلى مرحلة حاسمة. فمع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، واستمرار بنيامين نتنياهو في قيادة حكومة إسرائيلية ذات توجهات يمينية متشددة، تتجه السياسة الأمريكية والإسرائيلية نحو استراتيجية أكثر حزماً تجاه طهران. يبدو أن هناك قناعة مشتركة في واشنطن وتل أبيب بأن استمرار النفوذ الإيراني في المنطقة يشكل تهديداً طويل الأمد، وبالتالي، لا مجال للحلول الوسط في هذه المرحلة.
تصعيد عسكري في غزة واليمن: سياسة الضغط القصوى؟
في 18 مارس 2025، استأنفت إسرائيل عملياتها العسكرية في قطاع غزة بعد هدنة استمرت نحو شهرين، مما أدى إلى سقوط مئات الضحايا، معظمهم من المدنيين، وسط إدانات دولية ودعوات لوقف إطلاق النار. الحكومة الإسرائيلية أكدت أن عملياتها مستمرة بهدف إنهاء تهديد الفصائل المسلحة، خاصة حماس والجهاد الإسلامي، وتأمين الجبهة الجنوبية.
بالتزامن مع ذلك، شنت الولايات المتحدة حملة قصف جوي على مواقع الحوثيين في اليمن، رداً على هجماتهم المستمرة على السفن في البحر الأحمر، والتي اعتبرتها واشنطن تهديداً للملاحة الدولية ولأمن حلفائها في المنطقة. الإدارة الأمريكية ترى أن دعم إيران للحوثيين هو جزء من استراتيجية إيرانية أوسع لفرض نفوذها الإقليمي، وهو ما دفع الرئيس ترامب إلى توجيه تحذير مباشر إلى المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، مطالباً إياه بالتفاوض أو مواجهة “الخيار الأصعب“.
الولايات المتحدة وإسرائيل: تحالف لمواجهة النفوذ الإيراني
تعتقد إسرائيل أن وجود إدارة أمريكية بقيادة ترامب يوفر لها فرصة لتعزيز موقفها العسكري تجاه إيران، خصوصاً فيما يتعلق ببرنامجها النووي والصاروخي. ووفقاً لتقارير استخباراتية أمريكية، فإن تل أبيب تدرس توجيه ضربات استباقية لمنشآت إيران النووية لمنعها من امتلاك سلاح نووي، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد غير مسبوق.
من جهتها، ترى واشنطن أن تقويض النفوذ الإيراني لا يقتصر على استهداف قدراتها النووية، بل يشمل أيضاً الحد من أنشطة الميليشيات الموالية لها في العراق ولبنان واليمن. ومع وجود إدارة أمريكية جمهورية تتبنى سياسات أكثر تشدداً، تبدو الخيارات العسكرية مطروحة بقوة، رغم تحذيرات بعض الخبراء من أن المواجهة المباشرة مع إيران قد تؤدي إلى تداعيات غير متوقعة.
اليمين الإسرائيلي وتصعيد الصراع
تلعب حكومة نتنياهو، التي تضم شخصيات من اليمين المتطرف، دوراً رئيسياً في تأجيج الصراع. إذ ترى أن الحل الدبلوماسي مع إيران غير ممكن في ظل سياساتها الإقليمية، وأن الحل العسكري قد يكون الخيار الوحيد لإنهاء التهديد الإيراني. في المقابل، تعتقد طهران أن دعمها لحلفائها في المنطقة هو جزء من استراتيجيتها لمواجهة “الهيمنة الإسرائيلية والأمريكية” وتتوعد بردود فعل قوية في حال تعرضت منشآتها النووية أو قواعدها العسكرية لهجوم مباشر.
الخيار النووي: هل تقترب إيران من السلاح؟
مع تصاعد الضغوط الغربية، تزداد المخاوف من أن تلجأ إيران إلى تسريع برنامجها النووي كوسيلة ردع. تقارير غربية تشير إلى أن طهران، رغم العقوبات والضربات الإسرائيلية المتكررة، قد تكون قادرة على تطوير قدرات نووية في وقت أقصر مما كان متوقعاً. مستشار الأمن القومي الأمريكي، جيك سوليفان، أشار مؤخراً إلى أن إيران ربما تكون على بعد أشهر فقط من امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي، وهو ما قد يغير موازين القوى في المنطقة بشكل جذري.
سيناريوهات المستقبل: إلى أين يتجه الشرق الأوسط؟
مع استمرار التصعيد، هناك عدة سيناريوهات محتملة:
1. حرب إقليمية شاملة: إذا استمرت الضربات الإسرائيلية والأمريكية ضد إيران ووكلائها، قد تتحول المواجهة إلى حرب مفتوحة تشمل إيران وحلفائها من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما من جهة أخرى.
2. مفاوضات تحت الضغط: قد تضطر إيران، نتيجة للعقوبات المتزايدة والضغوط العسكرية، إلى الدخول في مفاوضات مع الغرب، لكن بشروط أمريكية وإسرائيلية صارمة.
3. تصعيد غير مباشر عبر الوكلاء: قد ترد إيران من خلال تصعيد هجمات ميليشياتها في العراق ولبنان واليمن، مما قد يؤدي إلى موجة جديدة من الفوضى الأمنية في المنطقة.
خاتمة
يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى إعادة رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط، مستفيدتين من اللحظة السياسية الراهنة. ومع استمرار السياسات المتشددة لكل من ترامب ونتنياهو، والتصميم الإيراني على مواجهة الضغوط، يبقى السؤال الأهم: هل تتجه المنطقة نحو مواجهة مباشرة ستغير موازين القوى لعقود، أم أن الدبلوماسية ستنجح في احتواء الصراع قبل انفجاره؟

























