بقلم: ا.د هاشم الحمامي
في خضم التوترات المتفاقمة في الشرق الأوسط، يطفو على السطح مجدداً ملف الحشد الشعبي في العراق، كعقدة أمنية وسياسية شديدة التعقيد في علاقات بغداد وواشنطن. فرغم إصرار الولايات المتحدة على ضرورة إنهاء نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران، لا يزال الحشد يتمتع بحضور قوي لا يقتصر على الساحة الأمنية، بل يمتد إلى مفاصل الدولة الاقتصادية والسياسية.
السؤال اليوم لم يعد متعلقاً بإرادة واشنطن، بل باستراتيجيتها: لماذا لم تلجأ الولايات المتحدة إلى تحرك حاسم لحل الحشد الشعبي؟ ولماذا تراهن على الضغط غير المباشر بدلًا من المواجهة الصريحة؟ للإجابة، لا بد من تفكيك أبعاد هذه المعضلة المتشابكة.
من جهاد كفائي إلى شبكة نفوذ متعددة الرؤوس:
تشكل الحشد الشعبي رسمياً عام 2014 عقب فتوى “الجهاد الكفائي” الصادرة من المرجعية الشيعية العليا في النجف، لمواجهة زحف تنظيم داعش. لكنه لم يبق طارئاً، بل تحوّل إلى مؤسسة عسكرية – سياسية نافذة تضم أكثر من 40 فصيلًا، تتفاوت في أحجامها وولاءاتها، إلا أن أغلبها يرتبط عقائدياً وتنظيمياً بالحرس الثوري الإيراني.
القلق الأمريكي لا يقتصر على سلاح الحشد، بل يتعداه إلى شبكة نفوذه التي اخترقت مفاصل الدولة. فقد سيطرت فصائل بارزة على المعابر الحدودية مثل القائم والمنذرية، وفرضت رسوماً غير رسمية على التجارة، ما أتاح لها مصادر تمويل ضخمة خارجة عن سلطة الدولة المركزية. كما امتد نفوذها إلى البرلمان والوزارات، حيث تحوّلت بعض الفصائل إلى أذرع سياسية تتحكم في القرار الوطني من الداخل. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شهد العراق تحولاً مقلقاً لهذه الفصائل المسلحة وقياداتها إلى مافيات منظمة تمارس تجارة المخدرات وتسيطر على المشاريع الحيوية في العراق، مستخدمةً تهديد السلاح لفرض نفوذها وتحقيق مكاسب غير مشروعة.
الإستراتيجية الأمريكية: واقعية تقيّد القوة.
في مواجهة هذا الواقع، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارات محدودة ومقيدة:
تجنب التصعيد الإقليمي: أي عمل عسكري مباشر ضد الحشد قد يشعل صراعاً واسع النطاق، ويعيد إلى الأذهان تبعات اغتيال قاسم سليماني في مطار بغداد مطلع عام 2020، الذي هزّ المنطقة وكاد يفجّر مواجهة إيرانية أمريكية مباشرة.
احترام السيادة العراقية: ترتبط واشنطن ببغداد باتفاقية الإطار الاستراتيجي، التي تشدد على احترام السيادة الوطنية. التدخل العسكري سيقوّض هذه الاتفاقية، ويمنح الفصائل المدعومة من طهران مشروعية شعبية كـ”مدافعين عن السيادة”، خاصة في نظر جمهورها المحلي.
تجنب خلق فراغ أمني: رغم تحفظات واشنطن على سلوك الحشد، إلا أن بعض فصائله تملأ فراغاً أمنياً في مناطق ذات حساسية طائفية وجغرافية. تفكيكه المفاجئ دون بدائل قد يفتح الباب مجدداً أمام الجماعات الإرهابية، وفي مقدمتها داعش.
الرهان على الضغط المالي والدبلوماسي: تفضل واشنطن فرض قيود مالية على بغداد، باعتبار أن رواتب الحشد تأتي من الموازنة العامة العراقية المعتمدة على صادرات النفط، والتي تمر عبر النظام المالي الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. كما لجأت إلى تصنيف بعض قادة الفصائل كإرهابيين، وتجفيف منابع الدعم الخارجي لهم، في محاولة لعزلهم سياسياً واقتصادياً.
اندماجٌ بشروط أمريكية أم هيكلة شكلية؟
تدعو الولايات المتحدة مراراً إلى دمج الحشد الشعبي في المؤسسة العسكرية الرسمية، وجعله خاضعاً لقيادة القائد العام للقوات المسلحة. ويُستند في ذلك إلى تجربة “منظمة بدر”، التي تم دمج عناصرها بعد 2003 في وزارات الداخلية والدفاع، وشغل بعض قادتها مناصب عليا في الأجهزة الأمنية.
لكن تلك التجربة أثبتت محدوديتها؛ فبدر لم تتخلّ عن روابطها العقائدية والسياسية بإيران، بل أصبحت أحد أعمدة النظام السياسي العراقي، ورافداً أساسياً لتأسيس الحشد لاحقاً. وبالتالي، فإن تكرار نموذج الدمج، من دون إصلاحات هيكلية حقيقية، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج النفوذ الإيراني داخل المؤسسات الرسمية تحت غطاء الدولة.
الرهان الأمريكي الباهت: ما بين الدمج والتفكيك.
حتى الآن، تراهن واشنطن على سياسة النفس الطويل، وتستخدم أدوات ضغط ناعمة للحد من نفوذ الحشد، لكنها لم تُظهر استعداداً حقيقياً لمواجهة مفتوحة. كما لم تُقدّم بدائل أمنية كافية تغني عن وجود الحشد في مناطق متوترة.
هذا التردد الأمريكي منح الحشد هامشاً واسعاً للتكيّف، وتوسيع نفوذه، وترسيخ حضوره المؤسسي والشعبي، حتى بات جزءًا من منظومة الحكم، لا مجرد ميليشيا عسكرية خارجة عن القانون.
خاتمة: الحشد بين واشنطن وطهران… معركة النفوذ لا السلاح.
في المحصلة، لا تقتصر معركة الولايات المتحدة مع الحشد الشعبي على البعد العسكري، بل هي جزء من صراع نفوذ طويل الأمد مع إيران في العراق والمنطقة. ومع غياب إرادة سياسية عراقية صلبة، وتردّد أمريكي في اتخاذ خطوات جذرية، يبدو أن الحشد سيبقى فاعلًا مركزياً في المشهد العراقي.
لكن السؤال الجوهري يبقى مطروحاً:
هل تملك واشنطن ترف الانتظار أمام تمدد نفوذ الحشد؟ أم أن الوقت يعمل لصالح الفصائل المدعومة من طهران، لتُعيد تشكيل معادلة القوة في بلاد الرافدين؟
أم أن حلّ المعضلة العراقية يبدأ – كما تقول إسرائيل – بـ”قطع رأس الأخطبوط الإيراني”، الذي يمدّ أذرعه إلى العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن… قبل تفكيك أذرعه المحلية؟




























