بقلم: الأستاذ الدكتور هاشم الحمامي
منذ أن اجتاحت القوات الأمريكية أرض العراق في عام 2003، تحت لافتة “التحرير” ودعوات الديمقراطية التي رافقتها طبول الحرب في واشنطن ولندن، وبمباركة ضمنية من بعض العواصم الإقليمية، انطلقت فصول قصة لم تنتهِ بعد. قصة يتوارثها العراقيون جيلاً بعد جيل، يتساءلون فيها بمرارة: هل كان الهدف حقاً بناء عراق ديمقراطي موحد ومزدهر، أم أن ما حدث كان جزءاً من هندسة سياسية كبرى لتفكيك الدولة تحت شعار “الفوضى الخلاقة”؟
الجواب لا يحتاج إلى كثير عناء، فالمشهد الحالي يتحدث عن نفسه: عراق مفكك، مرتهن، يغيب عن ساحات التأثير الإقليمي، ويقبع خارج معادلة القوة التي تقلق الكبار.
عراق مفكك… بإرادة دولية
منذ بداية الاحتلال، تم تصميم النظام السياسي العراقي بطريقة تضمن بقاءه هشاً ومفتتاً. فالولايات المتحدة، التي لا تزال تمسك بزمام القرار من وراء الستار، تدرك أن عراقاً قوياً يشكل تهديداً لمصالحها ولمصالح حلفائها في المنطقة. لهذا، لا يخرج الضعف العراقي عن كونه استراتيجية مدروسة، يتقاطع حولها توافق غربي – إقليمي، يتضمن رضا دول الخليج التي لا ترغب في صعود جار إقليمي مزعج.
الفساد… أداة ناعمة للهيمنة
أحد أخطر الأدوات التي استُخدمت لضمان شلل الدولة العراقية هو الفساد السياسي الممنهج. فقد صعدت إلى السلطة نخبة من السياسيين المرتبطين بأجندات خارجية، لا يجمعهم شيء سوى حرصهم على تقاسم الغنائم وسرقة المال العام، في ظل غطاء أمريكي يُبقي البلاد في حالة نزيف دائم. هؤلاء ليسوا سوى بيادق في رقعة شطرنج أمريكية، تُحرّك وقت الحاجة وتُستبدل عند الضرورة، دون مساءلة أو حساب.
إيران: شريك مضبوط الإيقاع
في ظاهره، يبدو التمدد الإيراني في العراق وكأنه نقيض للمشروع الأمريكي، لكن الواقع يؤكد غير ذلك. فالتوغل الإيراني لم يكن يوماً خارج حدود المسموح به أمريكياً، بل كان ضمن هامش المناورة الذي ترسمه واشنطن بدقة. وجود إيران في العراق، بهذا الشكل، يخلق توازناً وظيفياً يخدم الاستراتيجية الأمريكية، ويسمح لها بإبقاء الساحة مشتعلة دون انفجار شامل.
العراق خارج نيران المنطقة… بترتيب أمريكي
في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023، اشتعلت جبهات متعددة في الشرق الأوسط، من غزة إلى جنوب لبنان واليمن وسوريا. لكن العراق بقي بمنأى عن المواجهات، رغم وجود فصائل مسلحة محسوبة على “محور المقاومة”. هذا الاستثناء لم يكن صدفة، بل انعكاساً لخصوصية العلاقة بين بغداد وواشنطن، حيث تضمن الأخيرة استقراراً مشروطاً لا يُفضي إلى قوة، بل يُحافظ على حالة “اللا قرار” التي تضمن بقاء الوضع على ما هو عليه.
التغيير الناعم: إصلاح شكلي وتحكم مستمر
اليوم، ومع تبدل موازين القوى الإقليمية وتراجع النفوذ الإيراني، تتهيأ الولايات المتحدة لإجراء عملية “تشذيب” في المشهد السياسي العراقي. هذا التشذيب لا يعني إسقاط النظام القائم، بل إعادة ترتيب أوراقه، بإزاحة بعض الوجوه التي أصبحت عبئاً أو تجاوزت الخطوط الحمراء. التغيير المرتقب سيكون مخملياً، لا يُزعزع الثوابت التي أرستها واشنطن منذ الاحتلال: عراق هش، خاضع، ومفصول عن طموحات السيادة أو الاستقلال الحقيقي.





























